في الدقائق الأولى من فيلم *M*، يقطع همسٌ خافت حالة الصمت ويُحدث تحولاً جذرياً في طريقة تلقينا للفيلم. ورغم أن العمل أُنتج في مرحلة كانت السينما لا تزال تتلمس طريقها في التعامل مع الصوت، متأثرة بإرث المسرح والأفلام الصامتة، فإن المخرج الألماني المخضرم (Fritz Lang) تعامل مع الوسيط الجديد بجرأة لافتة. في (M) لا تقود الصورة وحدها مجرى الأحداث، بل يصبح الصوت شريكاً أساسياً في صناعة المعنى والتوتر. أصواتٌ تأتي من خارج الكادر، وصفير يتكرر كأنه شبح يطارد الشخصيات والمشاهدين.

لم يستخدم “لانج” الصوت بوصفه إضافة تقنية جديدة، بل جعله جزءاً من لغة الفيلم، فما لا نراه يصبح أكثر إثارة للقلق مما نراه، وما يغيب عن الشاشة يترك أثراً أعمق من أي مشهد بصري. في عام 1931 بدت هذه المقاربة ثورية بكل المقاييس، وكأن الفيلم يعلنها صراحة منذ لحظاته الأولى أن السينما دخلت مرحلة جديدة من النضج والتعقيد.

m1

تدور الأحداث في (برلين) التي تتحول إلى مدينة تعيش حالة من الهلع الجماعي بسبب قاتلٍ يستهدف الأطفال، استلهم الفيلم بعض عناصره من جرائم حقيقية هزت ألمانيا في تلك الفترة، ويُعتقد أن القاتل المتسلسل (Peter Kürten) كان أحد مصادر الإلهام، إلا أن “لانج” لم يؤكد هذه العلاقة بشكل مباشر، وعلى خلاف كثير من أفلام الجريمة، لا يعتمد (M) على إظهار العنف أو استعراض بشاعة الجرائم. فالجريمة تبقى دائماً خارج الكادر، بينما تتولى التفاصيل الصغيرة إيصال الإحساس بالرعب: لحن صفير مألوف يتكرر في الخلفية، بالون طفل يعلق في أسلاك الكهرباء، ومقعد دراسي فارغ لا يعود إليه صاحبه، بهذه الصور البسيطة يصنع الفيلم شعوراً بالخسارة والقلق يفوق تأثير أكثر المشاهد دموية.

كتب “لانج” السيناريو بالتعاون مع زوجته (Thea von Harbou) بعد سلسلة من الأعمال المشتركة التي كان أبرزها فيلم الخيال العلمي (Metropolis) عام 1927. لكن (M) يمثل منعطفاً مختلفاً في مسيرتهما، إذ يتخلى عن العوالم المستقبلية الضخمة والأساطير البصرية لصالح دراسة أكثر عمقاً للإنسان بكل مخاوفه وهواجسه وشروره. الحوار هنا مُقتصد ومَدروس بعناية، فلا توجد جملة زائدة أو استعراض لغوي غير ضروري، أحد أكثر المشاهد قوة حين يصرخ القاتل قائلاً: «لا أستطيع التحكم بنفسي!»، فتأتي العبارة كاعتراف صادق يدعو للتأمل والتفكير أكثر من كونها مجرد سطر درامي مكتوب.

كان الممثل (Peter Lorre) الذي أدى دور القاتل، معروفاً قبل الفيلم بأدوار مختلفة تماماً، لكن أداءه هنا أعاد تعريف صورته الفنية. تجسيده المتقن لشخصية القاتل بظهر منحنٍ ونظراتٍ مضطربة وحركات عصبية دقيقة جعلت الشخصية تبدو مألوفة ومخيفة في الوقت نفسه، ويُحسب جزء كبير من هذا الإتقان إلى دقة “لانج” في إدارة الممثلين، إذ كان معروفاً بإعادته للمشاهد مرات عديدة بحثاً عن أدق التفاصيل التعبيرية، حتى تلك التي لا تتجاوز حركة بسيطة في الوجه أو نظرة عابرة.

m3

أما على مستوى السرد، فيتحرك الفيلم بإيقاع مختلف عن كثير من أفلام عصره. فبدلاً من تقديم الأحداث بشكل مباشر ومتسلسل، يقفز بين تحقيقات الشرطة وتحركات العالم الإجرامي في المدينة، ليخلق شعوراً بأن الجميع يبحث عن الجاني في الوقت نفسه، ولكن من منطلقات مختلفة. هذه البنية لم تهدف إلى إرباك المشاهد، بل عكست حالة مجتمع فقد ثقته بالمؤسسات الرسمية وأصبح يبحث عن حلول خارج الأطر التقليدية، وفي خلفية الحكاية الجنائية يرسم الفيلم صورة دقيقة لمجتمع يعيش أزمة سياسية واجتماعية عميقة.

أيضاً من أكثر العناصر تأثيراً في الفيلم طريقة توظيفه للمساحات الخارجة عن الكادر، ففي أحد المشاهد الأساسية لا نرى سوى ظل شخص يلاحق طفلاً، ثم تختفي الصورة ويبقى أثرها في مخيلة المتفرج، فما يحدث لاحقاً لا يُعرض مباشرة، بل يُترك لخيال المشاهد كي يكمله بنفسه. هذه المقاربة التي أصبحت لاحقاً من السمات المميزة لأفلام التشويق النفسي كانت حاضرة في (M) قبل سنوات طويلة من انتشارها على نطاق واسع في السينما العالمية.

كما لعب اختيارُ زوايا التصوير دوراً مهماً في بناء الإحساس بالخوف. ففي بعض اللقطات تنخفض الكاميرا إلى مستوى نظر الأطفال، فنرى العالم كما يرونه هم: أكبر حجماً وأكثر تهديداً وغموضاً. لا يتعلق الأمر هنا بجماليات الصورة فقط، بل بطريقة تجعل المتفرج يعيش حالة الضعف والعجز التي تشعر بها الشخصيات التي لا حول لها ولاقوة في الفيلم.

m2

وتؤدي الموسيقى وظيفة لا تقل أهمية عن الصورة. فالصفير الشهير الذي يرافق القاتل يتحول إلى علامة تُشعرنا بحضوره حتى قبل ظهوره على الشاشة، ومع تكراره المستمر يصبح جزءاً من البنية النفسية للفيلم، إذ يكفي سماعه كي يستدعي التوتر والخوف. وبذلك يسبق (M) كثيراً من الأفلام التي اشتهرت لاحقاً باستخدام اللحن الموسيقي المكترر (الموتيف) المرتبط بشخصية معينة أو بفكرة محددة.

منذ المشاهد الأولى يمنح “لانج” الصوت دوراً يتجاوز الحوار. أصوات الأطفال في الشوارع، وقع الخطوات، ضجيج المدينة البعيد، وحتى لحظات الصمت الطويلة، كلها تتحول إلى أدوات سردية تساهم في بناء التوتر. وعندما تقترب لحظات الخطر لا يعتمد الفيلم على الموسيقى الصاخبة أو المؤثرات المباشرة، بل على تقليل الأصوات وتخفيفها تدريجياً، ليصبح الصمت نفسه مصدراً للقلق.

واجه تصوير الفيلم تحديات تقنية كبيرة بسبب محدودية معدات التسجيل الصوتي في ذلك الزمن. كانت الميكروفونات ضخمة وحساسة للغاية، ما صعّب عملية التصوير خارج الاستوديوهات. وللتغلب على هذه العقبات أخفى فريق العمل الميكروفونات في أماكن غير متوقعة داخل الديكورات والملابس والحقائب، في محاولة لمنح الممثلين قدراً أكبر من الحرية أثناء الأداء. هذه الحلول الابتكارية تكشف حجم التجارب التي رافقت السنوات الأولى للسينما الناطقة.

جاء إنتاجه أيضاً في فترة سياسية مضطربة من تاريخ ألمانيا. ومع صعود “هتلر” واقتراب النازيين من السلطة، أثارت بعض أفكار الفيلم حساسية لدى الجهات الرقابية. فقد رأت بعض الأوساط السياسية أن تصوير الحشود وهي تنقاد وراء الخوف والغضب يحمل دلالات تتجاوز القصة الجنائية نفسها. ورغم الضغوط التي تعرض لها العمل، فقد نجح في الوصول إلى الجمهور والحفاظ على رؤيته الفنية الأساسية.

m4

بعد الانتهاء من الفيلم بوقت قصير، غادر Fritz “لانج” ألمانيا واتجه لاحقاً إلى (هوليوود)، في خطوة ستفتح مرحلة جديدة من مسيرته الفنية. ورغم ابتعاده الجغرافي لاحقاً عن (المدرسة التعبيرية الألمانية)، فإن تأثيراتها ما زالت واضحة في الفيلم. فالظلال الحادة، والإضاءة غير الطبيعية، والمساحات المشوهة بصرياً، كلها عناصر تمنح العالم الذي تدور فيه الأحداث طابعاً قلقاً وغير مستقر. والمثير أن كثيراً من هذه الخيارات الجمالية لم يكن نابعاً من رغبة فنية خالصة بقدر ما كان نتيجة مباشرة للقيود التقنية والإنتاجية المتاحة آنذاك.

اليوم يُنظر إلى فيلم (M) بوصفه أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، ليس بسبب تأثيره في أفلام الجريمة والتشويق والنوار التي جاءت بعده فقط، بل لأنه قدم نموذجاً مختلفاً لكيفية صناعة التوتر الدرامي. ففي حين تميل كثير من الأعمال الحديثة إلى شرح كل شيء وتقديم إجابات واضحة، فإنه يترك مساحة للغموض والتأمل، نحن نعرف مبكراً هوية القاتل، لكن الفيلم لا يهتم بلغز «من فعلها؟» بقدر اهتمامه بالسؤال الأصعب: ماذا يعني وجود شخص كهذا داخل المجتمع؟ وكيف وهل يمكن تحقيق العدالة بعيدا عن القوانين المعتادة؟ وهل يكفي الجنون لإسقاط تحمل المسؤولية و العقاب؟

برأيي، ما يجعل مشاهدته تجربة استثنائية حتى اليوم هو احترام صانع الفيلم لجمهوره. فهو لا يشرح كل شيء، ولا يقدم مفاتيح جاهزة لفهمه، بل يدعو المشاهد إلى المشاركة في بناء المعنى بنفسه. وفي زمن أصبحت فيه معظم الأفلام حريصة على تفسير كل تفصيلة، تبدو هذه الثقة أمراً نادراً وثميناً. وربما لهذا السبب ما زال يحتفظ بقوته بعد ما يقارب قرناً من إنتاجه؛ ليس بسبب ما رأيناه وعلى الشاشة وسمعناه فحسب، بل بسبب كل ما يتركه معلقاً في المساحات الصامتة بينها.