في عام 1941، لم يكن قد مرّ على ميلاد ““أورسون” ويلز “ سوى خمسة وعشرين عاماً عندما وصل فيلم (Citizen Kane) إلى دور العرض. لم يكن مخرجاً مخضرماً بأي حال، بل كان لا يزال في بداية الطريق. ومع ذلك، أنجز عملاً سار الآخرون لاحقاً على خطاه، من دون أن يصرّحوا بذلك صراحة. قصة “تشارلز فوستر كين”، إمبراطور الصحافة الذي يتهاوى تدريجياً تحت وطأة الثروة والكبرياء والوحدة، لم تنبع من الخيال الخالص. فقد اقتربت كثيراً من شخصية “ويليام راندولف هيرست”، لكنها لم تتحول إلى سيرة مباشرة له. رفضت صحف “هيرست” نشر إعلانات الفيلم، وألغت بعض دور السينما عروضه. وفي الكواليس، كانت دوائر النفوذ تتحرك بسرعة أكبر مما ظهر للعلن، كانت المعركة تدور بعيداً عن الأضواء.
من داخل غرفة في فندق صحراوي، كتب هيرمان ج. مانكيويتس معظم المسودة الأولى للسيناريو أثناء تعافيه من إصابة خطيرة في ساقه. لم تكن الكتابة جهداً فردياً من “ويلز” بالكامل، إذ اعتمد “ويلز” على “مانك” بدرجة كبيرة في تلك المرحلة. كانت الصفحات تصل يومياً عبر رسول يشق طريقه وسط الحر والغبار، فيما تتوالى التعديلات بوتيرة متسارعة. وفي استوديو RKO، منح المسؤولون “ويلز” مساحة واسعة بفضل عقد استثنائي يضمن له السيطرة الإبداعية الكاملة لأول مرة في هوليوود. لكن هذا الامتياز كاد أن يتبخر عندما أثارت النسخ الأولى للفيلم قلقاً كبيراً خلف الأبواب المغلقة في الاستوديو. كانت المخاوف القانونية هي الهاجس الأكبر. وكاد المشروع أن يُلغى بالكامل، لولا أن ردود الفعل الأولى من المشاهدين جاءت قوية بما يكفي لإنقاذه.

سرد مختلف لفت الانتباه
منذ البداية، كان البناء السردي للفيلم يلفت الانتباه. لم تُسرد الأحداث بطريقة خطية متتابعة، بل جاءت على هيئة شظايا من الذكريات تتجمع تدريجياً. بعد وفاة “كين”، ينطلق الصحافيون بحثاً عن معنى كلمته الأخيرة: «روزبد». مغنية أحبها، ورجل أعمال تعامل معه، وصديق قديم ابتعد عنه مع الزمن؛ كل منهم يقدّم جزءاً من الصورة. لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، وما يرويه كل شاهد يتقاطع أحياناً ويتناقض أحياناً أخرى. تتلاشى الحدود بين الحقيقة والتأويل. فالذاكرة ليست شيئاً ثابتاً، بل كياناً متغيراً. والحياة لا تنكشف دفعة واحدة، بل عبر شذرات متناثرة.
أصبحت تقنية «العمق البؤري الكامل» السمة البصرية الأبرز للفيلم، حتى بدت وكأنها توقيعه الخاص. عمل مدير التصوير “غريغ تولاند” على تطوير الإضاءة والعدسات بحيث يبقى كل ما في الكادر واضحاً، من المقدمة إلى الخلفية. في أحد المشاهد، يلعب “الطفل كين” خارج المنزل بينما يقرر البالغون مستقبله خلف النافذة خلال نقاش مالي مصيري. كل جزء من الصورة يحتفظ بوضوحه من دون ضبابية. لم تكن هذه التقنية اختراعاً جديداً، لكن استخدامها المتواصل والواعي بهذا الشكل كان نادراً في تلك الفترة.
حدث تحول آخر في الطريقة التي استُخدمت بها الإضاءة. لم توظف الظلال ك وسيلة لخلق الأجواء فقط، بل أصبحت أداة لتقسيم الفضاء البصري وتحديد موازين القوة داخل المشهد. كانت بعض الوجوه تختفي عمداً في العتمة. كما أن التصوير من زوايا منخفضة كشف الأسقف للمرة الأولى تقريباً في هوليوود، في وقت كانت الكاميرات تُرفع عادة لتجنب إظهارها. هذه المرة، جرى تضمين تلك المساحات العلوية في التكوين البصري، ما منح المُشاهد إحساساً بأنه داخل المكان فعلاً. لم تعد الغرف تبدو كديكورات مسرحية، بل كأماكن حقيقية ينبض فيها الواقع.
أما على المستوى الصوتي، فقد حمل كل تفصيل وظيفة واضحة. كانت الحوارات المتداخلة موجودة في السينما من قبل، لكن ليس بهذه الدقة والتنظيم. تبدأ بعض الجمل في منتصف حديث آخر، وما إن يخفت صوت حتى يتقدم صوت جديد إلى الواجهة. وفي أحد أشهر المقاطع، يختصر الفيلم سنوات من العلاقة الزوجية عبر سلسلة من موائد الإفطار المتعاقبة، تتغير خلالها الملابس والمسافات بين الشخصيات وطريقة الحديث. يمر الزمن من دون الحاجة إلى تواريخ أو شروحات مباشرة. تتراكم اللحظات ببساطة وتخلق معنى تفسره المسافة.
ومن بين جميع الخيارات الفنية، كان استخدام الموسيقى هو الأكثر اقتصاداً. وضع برنارد هيرمان الموسيقى التصويرية ضمن حدود محسوبة بعناية. تعود الثيمات الموسيقية نفسها مراراً، لكن بصيغ مختلفة تعكس التحولات النفسية أكثر مما تعكس الأحداث الظاهرة على الشاشة. أما اللحن الرئيسي “الموتيف” فلا يُسمع سوى أربع مرات خلال مئة وعشرين دقيقة. وكان للصمت أهمية توازي أهمية الموسيقى نفسها، وهي سمة لم تكن شائعة في معظم أفلام تلك الحقبة. فالمساحات الطويلة الخالية من الصوت كانت تجعل التوتر أكثر حضوراً.
في توجيهه للممثلين، ابتعد ويلز عن الأساليب السائدة. “جوزيف كوتن”، الذي أدى دور “جيد ليلاند”، طُلب منه تجنب الأداء العاطفي المباشر. المشاهد التي يفترض أن تكون مؤثرة اعتمدت على الكبح لا على الانفعال. أما “أغنيس مورهد”، في دور والدة “كين”، فقد منحت الشخصية صلابة هادئة تخفي قلقاً داخلياً. بدا قرار إرسال ابنها بعيداً أشبه بإجراء إداري بارد، لا بلحظة مأساوية يغمرها البكاء.

استقبال فاتر، و تقدير يتعاظم بمرور الزمن
ولم تكن القصة وحدها سبب الجدل. فقد تجاهلت صحف ومؤسسات إعلامية أميركية عديدة الفيلم أو تعاملت معه ببرود، خاصة تلك المرتبطة بكبار الناشرين. وصفت إحدى عناوين مجلة *Variety* الفيلم بأنه متكلف ومغرور، بينما شككت مقالات أخرى في تماسك حبكته. كثير من المشاهدين وجدوه معقداً وصعب المتابعة، وانعكس ذلك على الإيرادات التي بقيت متواضعة. لكن آراء النقاد بدأت تتغير تدريجياً، أولاً خلال خمسينيات القرن الماضي، ثم بوتيرة أكثر وضوحاً لاحقاً.
مع مرور الزمن، بدأ النقاد والباحثون يربطون الفيلم بقضايا سلطة الإعلام وصناعة السرديات الشخصية. وتبدل معناه شيئاً فشيئاً. لم يعد مجرد حكاية عن فرد استثنائي، بل أصبح تأملاً في الكيفية التي تبني بها المؤسسات هوياتنا وصورنا عن أنفسنا، خصوصاً عندما تكون الصحافة، أو الحكومات أو المتاحف أو التغطيات الحربية جزءاً من تلك العملية.
منذ عام 1989، حُفظ الفيلم في مكتبة الكونغرس الأميركية، ثم أُدرج لاحقاً ضمن السجل الوطني للأفلام. ويواصل النقاد إعادة ترتيب موقعه في قوائم أعظم الأفلام، لكن ذلك لا يمس جوهر أهميته الحقيقية. فالقيمة الأساسية للفيلم لا تكمن في ترتيبه على أي قائمة، بل في الطريقة التي غيّر بها مفهوم السرد السينمائي. كثير من التقنيات التي استخدمها لم تكن جديدة حتى وقت صدوره؛ فالعمق البؤري الكامل، والبنية الزمنية المتكسرة، وتداخل الأصوات ظهرت في أعمال سابقة. لكن ما أحدث الفارق هو عملية الدمج. فقد جمع *Citizen Kane* هذه العناصر المتفرقة داخل رؤية واحدة متماسكة تتحدث بصوت واحد.

إنه الجهل، طريق الفنان المبدع لكسر القوالب
كان الفيلم سابقاً لعصره، مهد لولادة السينما الحديثة، حين المخرج الشاب الهاوي إلى الساحة، تجاوز كل الخطوات التقليدية وكسر القواعد، وأمسك بزمام الأمور منذ البداية. وبعد ذلك بدأت السينما تتغير خلال عقود تلت، ولو بشكل محدود في البداية. ومع مرور الوقت، حصل بعض المخرجين على هامش أكبر من الحرية الإبداعية. وبدأت تتشكل مساحة لم تكن موجودة من قبل إلا بالكاد.
في سنواته اللاحقة، تحدث “ويلز” قليلاً جداً عن الفيلم. وربما بدا وكأنه يبتعد عنه عمداً وحين سأله المذيع في إحدى مقابلاته عن سبب نجاحه في صنع تحفته قال ببساطة “إنه الجهل”، ولعلّ سبب قلة حديثه عن الفيلم لأنه لم يعد بحاجة إلى صوته كي يدافع عنه. وربما بدت له الضجة المحيطة به، من نقد ونظريات وشهرة، أقل أهمية من الطريقة التي وجد الناس أنفسهم فيها داخل العمل. فالفيلم، مثل بطله تماماً، تشكّل من الحكايات والروايات المتراكمة، لكنه ظل عصياً على أن يصبح حقيقة مكتملة ونهائية.

