عمر محمد بركات
موت Dying) هو عمل درامي ألماني يمتد لأكثر من ثلاث ساعات، لكنه لا يضيّع دقيقة واحدة، بل يتدفق بسلاسة كمقطوعة موسيقية عن صعوبة البقاء إنسانًا في عالم يتهاوى من حولك، مع أن الفيلم تناول مواضيع قاسية وثقيلة مثل الموت والوحدة والتفكك الأسري، إلا أنه لا يُقدَّمها بشكل فوضوي أو مُجهد للمُشاهد، بل يُرويها بطريقة مُتقنة وناعمة الإيقاع، كأنك تستمع إلى اسطوانة سيمفونية لموزارت فيها عذوبة وانسياب، ولكنها في الوقت نفسه مشروخة، غير مكتملة، مليئة بلحظات النشاز أو الألم.
في فيلم موت (2024)، يقود المخرج الألماني (ماتياس غلاسنر) عزفًا سينمائيًا آسرًا، يجمع بين الشاعرية القاسية والكوميديا السوداء، ليستعرض تفكك عائلة واحدة في لحظات التواصل الأخيرة.

تشريح عائلة… من الجهات الثلاثة
الفيلم ينسج خيوط حكايته من خلال ثلاثِ فصول مترابطة، يركز كل فصلٍ منها على فرد مختلف من عائلة “لونيِس”: الابن الكبير “توم” (لارس آيدينغر)، قائد أوركسترا لامع لكنه مشوه عاطفيًا، يحاول التحضير لعرض موسيقي جديد بعنوان Sterben (أي الموت) ألفها أعز أصدقائه، في الوقت الذي يفقد وجهته فيه حياته الخاصة، شقيقته “إلين” (ليليث شتانغنبرغ)، تعمل مساعدة طبيب أسنان، لكنها غارقة في الإدمان، وتُخدّر إحساسها بانعدام القيمة بادمان الكحول. الأم “ليزي” (كورينا هارفوش)، عازفة أكورديون سابقة، تقاوم السرطان فيما جسدها يخونها، وتبدأ بفقدان السيطرة على وظائفها الجسدية. أما الأب، غيرد (هانز-أوفه باور)، يعاني من زهايمر متقدّم، ويتجوّل داخل منازل الجيران وهو شبه عارٍ، فاقد الإحساس بالزمن وبمن حوله.
في (موت) ينجح (غلاسنر) في تقديم عمل ينبض بالحياة، لا يشفق على شخصياته بقدر ما يتأملها بعين حادة، ويعاملها ببعض السخرية والكثير من الفضول. يبني عوالمهم كما تُجمّع قطع بازل تلتقي وتتنافر لكن لا تتكامل أبدًا. وبين كل مشهد حاد أو مؤلم، تبرز لحظات عبثية تخفف من حدة التوتر مثل أن تتأخر على الدفن بسبب سيارة كهربائية نفذ منها الشحن، أو أن يسبب سُعال متواصل في تدمير أداء موسيقي مُنتظر — مشهد عبثي يبدو وكأنه خارج من فيلم لـ”روبن أوستلوند” بطابعه الساخر.

طاقم تمثيلي يُتقن الإيقاع العاطفي
يُقدم (لارس آيدينغر) هنا أداءً داخليًا، أكثر كتمانًا، لكنه لا يقل إرباكًا، “توم” في هذا الفيلم رجل جعل من البرود العاطفي درعًا يحتمي به، بل ووسيلة للنجاح المهني. أن تراه وهو يقود أوركسترا، بينما يحاول بالكاد الحفاظ على تماسكه النفسي، هو كأن تشاهد رجلًا يبني قلعة من الرمل وسط عاصفة. هذه الصلابة تتصدّع أخيرًا في مواجهة قاسية مع والدته، حين تخبره ببساطة مدمرة كلاما مؤلماً بكل برود.
أما (كورينا هارفوش) فتقدّم أداءً متمكناً في دور الأم “ليزي” الموجوعة، الجريحة، التي تحمل نفسية هشة وغضبًا مكبوتًا يترسب في كل مشهد. أداؤها، الذي نالت عنه جائزة أفضل ممثلة في جوائز السينما الألمانية، يُعتبر العمود الفقري العاطفي للفيلم، إن تأمُلنا في معاناة “ليزي” حتى لو لم نفهم أسبابها، يجعلنا نستوعب انتقال تلك المعاناة إلى “توم” الذي استثمرها لا شعوريا في فنه و إلى “إلين” الابنة التي ورثت عن أمها ليس فقط الملامح، بل أيضًا هشاشتها الداخلية، حيث تمضي في حياتها كأنها تكرر نفس الدوامة من الإنكار، والانكسار، والعزلة، وكأن الألم لعنة تنتقل بالوراثة.

الموسيقى بطل لا مرئي.. أو مرآةٌ لأبطاله
العمل الموسيقي الذي يحاول “توم” انجازه، والذي يحمل نفس عنوان الفيلم “موت” ليس مجرد خلفية صوتية، بل مجاز حيّ لوجود الشخصيات نفسها. ألّفه الملحن برنارد (روبرت غفيسديك) صديق توم المتشائم، وهو عمل موسيقي مثير للجدل: قد يكون عبقريًا، أو عدمياً، أو كلاهما في آن معا والأهم من ذلك، أنه غير مكتمل تمامًا كحياة أولئك الذين يحاولون أداءه. وكلما انحرفت البروفات نحو الفوضى، تعقد معها السرد، وتحولت الموسيقى إلى مرآة وجودية تعكس ارتباك الشخصيات.
الموسيقى التصويرية التي وضعها (لورنتس دانغل) تنبض في خلفية الفيلم بإحساس عميق، وتضيف لمسة من الشجن تتماوج مع كل لحظة، ما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من النسيج الروائي للفيلم.
وقد لخّص ناقد موقع Screen Daily المفارقة الغريبة لهذا العمل بدقة، حين كتب: “من المدهش أن فيلماً يدور حول السرطان والخرف وكره الذات والاكتئاب والانتحار، يمكن أن يكون بهذا القدر من الجاذبية والإدهاش”. أن يتمكن “غلاسنر” من أن يسرق الابتسامة داخل هذه التراجيديا، يُعد ضربًا من المهارة الاستثنائية.
صعود نقدي مستحق.. عيوب أم مميزات

لم يمر فيلم (موت) مرور الكرام. فقد نال جائزة الدب الفضي لأفضل سيناريو في مهرجان برلين، وحصد عدة جوائز في مهرجان السينما الألمانية، بما فيها أفضل فيلم وأفضل ممثل مساعد وممثلة مساعدة، هذه الجوائز لم تأتِ مجاملة، بل تكريمًا لعمل استطاع أن يدمج الطموح الفني بنبض إنساني حقيقي وموجع، كالسيمفونية التي يحمل اسمها، لا يسعى إلى الكمال، مدته الطويلة — التي تتجاوز 180 دقيقة — قد تُرهق كثير من المشاهدين، أيضاً بعض المشاهد العاطفية تبدو ثقيلة وقد تنحرف نحو الميلودراما بالنسبة للبعض، كما أن رفض الفيلم تقديم نهايات مرتبة أو خلاصات مريحة قد يُحبط من يبحث عن تطهير عاطفي.
لكن هذه “العيوب” بنظر المُنصفين ليست ثغرات، بل سمات متعمدة. (غلاسنر) لا يبحث عن الخلاص، بل يفتح باب المواجهة مع الحقيقة على مصراعيه. فيلمه لا يسأل: “كيف نصبح أشخاصًا أفضل؟”، بل يتساءل: “كيف نواجه عيوبنا، ونعيش مع إخفاقاتنا، ومع الأشخاص الذين جرحونا أكثر مما أحبونا؟”.
لمن يمتلكون الشجاعة للجلوس وسط فوضى المشاعر وتقبّل التشوهات الخفية في النفس البشرية، فإن فيلم “موت” مقطوعة سينمائية قاتمة، موجعة، وصادقة، وحالمة تنتمي إلى قائمة الأفلام التي تبقى معنا طويلاً، تهمس في أذهاننا، وتلعب على أوتار أرواحنا… كما تفعل أعظم السيمفونيات.

