عمر محمد بركات

تخيل أن فيلم “The Revenant” تزاوج مع عالم “Loony Toons” في الجنون من الجنون والفوضى. هذا ما ستشعر به عند مشاهدة (مئات من القنادس). تدور أحداث الفيلم في برية القرن التاسع عشر، حيث نلتقي بـ “جان كاياك (رايلاند بريكسون) مُقطر شراب التفاح الكحولي (أبل جاك) الذي فقد كل شيء وعليه أن يبدأ من الصفر بعد أن يتسبب حادث مروع في تدمير معمله المفضل (بسبب رعونته في الشرب ومحموعة قنادس لئيمة)، يجد “جان” نفسه في شتاء قارس ومهمته هي البقاء على قيد الحياة، وتحقيق النجاح، وربما الفوز بقلب ابنة تاجر الفرو من خلال جمع مئات من جلود القنادس مهراً لمحبوبته. وفي مهمته يواجه “جان” قسوة الطبيعة ويتورط في مغامرات مجنونة متوالية، ويصطدم بجيش من القنادس التي تتآمر في مخبأ من الخشب والجليد.

2 19

كرنفال بصري من الفوضى والمرح

فيلم “مئات من القنادس” يستلهم الكثير من تقاليد الكوميديا الفوضوية (ٍSlapstick)، ويقدم تحية صادقة لمنابعها الأولى. المخرج والكاتب (مايك تشيسليك)  يستلهم من عالم السينما الصامتة، ويجمع بين أصالة (باستر كيتون) وابداع رسام التحريك (تكس أفيري) التي أثمرت عن عالم لوني تونز المُبهج حيث تتعرض الشخصيات بكل قسوة للسقوط ثم تقفز مرة أخرى لتسقط مرة أخرى ويستمر العبث المُضحك، هنا يواجه بطلنا جيشًا من القنادس بأحجام البشر يسيرون في الغابة كميليشيا منظمة.

مع أن الفيلم مضحك كثيراًفهو ليس مجرد ترفيه ساذج، بل يتخطى ما تعودنا عليه من الأفلام ذات الميزانية الصغيرة. يستخدم صناع الفيلم أزياء الماسكوت، والدمى الكبيرة، وأكثر من 1500 لقطة مؤثرات بصرية تجعلك تشعر وكأنك في كرنفال سريالي في غابة ثلجية بلا ألوان. أعجبني استخدام إشارات لطيفة مشتوحاة من رسوم الكارتون القديمة: مثل عندما يموت مخلوق تظهر علامة X فوق عينيه، مما يضيف لمسة عفوية بريئة لهذا العالم المجنون.

الممثل (رايلاند  بريسكون) الذي يجسد شخصية جان كاياك، هو القلب النابض لهذا العمل، حيث يقدم أداءً يستحضر أساطير الكوميديا الفوضوية مثل (تشابلن) و(كيتون) سواء كان يتسلق الأشجار، أو ينحدر من التلال الثلجية، أو يفشل في نصب فخاخ للقنادس، كل هذا يبرز مدى براعته في فن الكوميديا الجسدية الذي اندثر تقريباً. تعابير وجهه المضحكة تجعلنا نتعاطف معه وندعم مغامراته، مما يدوعنا لتقبل زلاته ونشجعه في حربه على القنادس التي يحاول مسؤولوهم إفساد مخططه وحماية شعبهم القندوسي.

3 16

إبداع متواصل ومبهر ،، لكن سلاح ذو حدين

يمتاز الفيلم بسرعته العالية ونكاته المستمرة، التي تجعله مثيرًا ولكنه قد يكون مُتعبًا في المشاهدة. قد يجد بعض المشاهدين صعوبة في مواكبة الإيقاع السريع، كوميديا الفيلم لطيفة وذكية، إلا أن أسلوبها الفريد – مزيج من “مونتي بايثون” و”ساوث بارك” و”جيم كيري”- قد لا يناسب من يبحثون عن سرد تقليدي معتاد في الفلام الكوميديا الحالية، إذا لم من محبي الكوميديا الفوضوية، قد يبدو الفيلم وكأنه مجرد كرة ثلج تنحدر بلا نهاية نحو الأسفل، لكنك إذا احتضنت روحه الغريبة، ستجد أن غرابته تصبح جزءًا من سحره.

يُظهر الفيلم كيف يمكن للإبداع أن يتألق حتى في ظل ميزانيات محدودة (150,000  دولار فقط!). اعتمد صانعو الفيلم على أساليب مبتكرة و دمج متقن بين الكرتون والمؤثرات والكوميديا الصامتة، هذه التحديات دفعتهم للتفكير خارج الصندوق وتقديم تجارب بصرية ممتعة وخيال واسع، مع التركيز على التفاصيل الفنية، هذا العمل مثال حي على أن القيمة الحقيقية تكمن في الفكرة والشغف و التنفيذ، وليس فقط في حجم الأموال المُستثمرة و الأسماء اللامعة.