في واحدة من ليالي نادي سينيراما، داخل قاعة مركز سرد الثقافي في الرياض، لم تكن مجرد أمسية سينمائية عادية، اجتمعنا كعادتنا – أصدقاءُ يجمعهم شغف السينما، نقاشات ما قبل العرض، حورات جانبية، دخلنا القاعة بإشارة من الأستاذ عبداللطيف العبيداء معلناً بدء العرض.. أُطفئت الأنوار، وبدأ صوت هند رجب رحلته معنا.
مرّت الدقائق ثقيلة، والصمت يتكاثف تدريجيًا في القاعة.. لم يكن صمت تركيزٍ فحسب، بل صمت انقباض داخلي، كأن قاعة العرض رغم وسعها صارت أضيق، ومع المشاهد الأخيرة، لم يعد أحد يتحرك في مقعده. انتهى الفيلم… تصفيق خجول، لم يبادر أحد بالكلام، ساد صمت مطلق، فأي كلام يقال بعد ما قالته هند!
كانت العيون تلمع بالدموع، ليست دموع استعراض عاطفي، بل دموع عجز.. شعورً ثقيلٌ يقيّد الحواس، فقدت الكلمات معناها وتلاشت، وفي ذلك السكون كان صوتٌ واحد يتردد في دواخلنا : صوت الطفلة البريئة “هند رجب حمادة،” هذه المرة ليس عبر مكبرات الصوت ، بل في زوايا الذاكرة:
“أنا خايفة… تعالي خذيني.”

لم نخرج من القاعة كما دخلناها. خرجنا ونحن نحمل شيئًا أثقل من مجرد انطباع سينمائي؛ خرجنا كشهود على جريمة بحق الإنسانية. كأن الفيلم لم يُعرض أمامنا، بل مرّ من خلالنا تاركاً ندوباً في شغاف القلب، وفي تلك الليلة، تيقنت أن بعض الأفلام لا تنتهي عند ظهور الشارة السوداء، بل تبدأ هناك.
يدخل المُشاهد إلى “صوت هند رجب” كما يدخل أي قاعة عرض: بفضول، وبعض الترقب المعتاد. يتوقع سردًا، بناءً دراميًا، ذروة ما.. في الدقائق الأولى، يبدو كل شيء بسيطًا ومحدودًا: غرفة عمليات، هواتف، وجوه متوترة تحاول أداء عملها و”رنا” تعد نفسها للمغادرة بعد وردية عمل شاقة في مركز الهلال الأحمر قريباً من قطاع غزة المحاصر. لا شيء يوحي بحدث استثنائي قادم، لكن شيئًا خفيًا يبدأ بالتسلل حين أتى ذلك الاتصال، ذلك الصوت المرتجف عبر السماعة لا يبقى مجرد عنصر في المشهد، بل يتحول تدريجيًا إلى مركز الثقل ينقلنا بين الألم و الأمل مع علم أغلبنا المسبق بالأحداث. ومع كل دقيقة تمرّ، يكتشف المشاهد/المستمع أنه لم يعد يراقب الحدث من الخارج، بل أصبح شريكًا في فعل الانتظار لعل معجزة تحصل، لا نسأل عمّا سيحدث، لأننا نعرف الإجابة سلفًا؛ السؤال الحقيقي الذي يتردد في مخيلتنا هو: كيف سنحتمل الإصغاء حتى النهاية؟
الفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها. يعيد الفيلم بناء المكالمات الهاتفية الأخيرة لـ”هند رجب” الطفلة الفلسطينية التي حوصرت داخل سيارة في شمال قطاع غزة بعد مقتل أفراد عائلتها خلال عمليات عسكرية للاحتلال الهمجي. مستندةً إلى التسجيلات الصوتية الحقيقية لمحادثات “هند” اليائسة مع فريق الطوارئ، تُشيّد المخرجة التونسية (كوثر بن هنية) دراما مكان واحد تدور حول موظفي الهلال الأحمر الذين حاولوا إنقاذها بكل ما يستيطعون قوله وفعله. لا بطولات ميدانية ، ولا موسيقى تصاعدية، ولا مونتاج يمنحنا تطهيرًا عاطفيًا. نجلس في معهم في المكتب، نصغي، و ننتظر.

منذ أول ارتجافة في صوت “هند” عبر سماعة الهاتف، يحدد العمل بوصلته الأخلاقية منذ المشهد الافتتاحي: الصوت ليس عنصرًا مكمّلًا، بل هو حضورٌ كامل. لا يُستخدم صوتها كمادة أرشيفية، بل يحتل الشاشة كروح ثائرة ترفض أن تغادر، ورغم أن التاريخ حسم الأمر مُسبقًا، يُشكل توتر الإصغاء – بين أملٍ يتشبث عاجزاً وقدرٍ يستحيل تغييره – البنية العاطفية للفيلم.
تتقدم الأحداث تواليا.. يُنسّق موظفوا الهلال الأحمر مع سائقي سيارات الإسعاف، ومع الحواجز العسكرية، ومع المسؤولين، داخل متاهة بيروقراطية تفوق في تعقيدها أي سيناريو تشويقي. نادرًا ما تُغادر الكاميرا هذه المساحات المغلقة. أضواء المكتب الصفراء تُلقي شحوباً على الوجوه،الشمس تغرب ويحل الظلام، سجائر تحترق،صور “هند” المعلقة في كل مكان، خرائط تقول أنها مجرد 8 دقائق، وثمانية أخرى أفقية ترتسم على الزجاج تحمل رمز اللانهاية العبثية الذي يختصر كل شيء ، كما علقت الزميلة منال لاحقاً.
هذا الخيار البنائي – بين الوثائقي والتمثيل الدرامي – أثار نقاشًا واسعًا في الأوساط النقدية، وهو نقاش مستحق. بمزجها التسجيلات الحقيقية بإعادة التمثيل، تمشي (بن هنية) على حبل مشدود بين بين الحقيقة والأداء. نعم هو اختيار جريئ بلا شك، لو أن مخرجاً آخر ربما كان سيغُرق العمل في الإثارة أو الميلودراما. لكن الفيلم يثق بواقعيته، يتلمس الوجوه، يغلي بالغضب، يغرق في صمت اليأس، والنتيجة شكل سينمائي منضبط ظاهرياً، يغلي عاطفيًا تحت السطح.
من أبرز إنجازات الفيلم رفضه لاستغلال القصة، هذا التقييد لا يُخفف الأثر بل يضاعفه، في زمن تتحول فيه المآسي إلى فرجة قابلة للاستهلاك، يسير “صوت هند رجب” في الاتجاه المعاكس، فلا مشاهد عنف صريحة، ولا تصوير بطيء للانفجارات. الرعب يسكن فيما نسمعه : طلقات بعيدة، ارتجافة في أنفاس طفلة، وكل ما نسمعه ولا نراه، تتركه صانعة الفلم لخيالنا ليصبح أبلغ من أي تصوير مباشر.
في عرضه الأول، تُوِّج الفيلم في مهرجان “فينيسيا” بجائزة لجنة التحكيم، وسط احتفاءٍ نقدي لافت، حيث وقف الجمهور طويلًا مصفّقًا في لحظة امتزج فيها الإعجاب بالدموع، وكأن القاعة بأكملها تعترف بثقل التجربة التي عاشتها. لم يكن التصفيق مجاملة مهرجانية عابرة، بل إقرارًا بقوة العمل الأخلاقية وجرأته الشكلية. ومع ترشحه لجوائز الأوسكار بدا أن صداه تجاوز حدود المهرجانات ليصبح جزءًا من النقاش السينمائي العالمي حول دور الفن في مواجهة المأساة والظلم.

صحيح أن التجربة مُرهقة عاطفيًا، فهذا ليس فيلمًا للترفيه السريع، لا نستمتع به بالمعنى التقليدي. حضورنا أقرب إلى الشهادة من المُشاهدة، لكن السينما العظيمة لم تكن يومًا مجرد تسلية، هناك أعمال تطلب منّا الصمود أمام الألم بدل الهروب منه.
ما يرفع “صوت هند رجب” إلى مصاف التُحف – ويبرر منحه علامة كاملة – هو وضوحه هدفه و ثبات عزمه. يعرف بدقة ما يريد فعله، ويمضي نحوه بلا حسابات لا ذروات عاطفية مفتعلة، ولا تعليق صوتي يلقّننا ما ينبغي التفكير فيه.، فقط بشر لا حول لهم ولاقوة، يحاولون، ويفشلون، ويُقتلون!! تاركين سؤالا واحداً حائراً : بأي ذنبٍ قتلت؟
ولا يسعنا إلا أن نُشيد بطاقم التمثيل الفلسطيني بقيادة الممثلة الرئيسية (سجا كيلاني) بدور “رنا” محور هذه المأساة، فهي لا تؤدي الحزن والعجز بقدر ما تعيشه لحظة بلحظة، تجسيدها يصبح شكلًا من أشكال المقاومة ، أما “عمر” الذي أداه بإتقان (معتز ملحيس) بخوفه ورغبته الجارفة لإنقاذ الطفلة و غضبه الذي يتفجر على من حوله كان أصدق تعبير لما نريد أن نصرخ به نحن أيضاً.
إذا كانت السينما تُوصف غالبًا بأنها نافذة على العالم، فإن” صوت هند رجب” أشبه بخط هاتفي ممتد بين العجز والرجاء: في طرف، طفلة تستغيث، وفي الطرف الآخر، مسعفون يصطدمون بالمستحيل. وفي المنتصف، نحن عالقون بينهما، غير قادرين على فعل شيء.
خلال ساعة ونصف، تتبدل علاقة المُتلقي بالفيلم، في البداية يصغي بدافع الفضول، ثم بدافع القلق، ثم بدافع الحاجة للتدخل، الزمن يتباطأ، والهواء يثقل، والمسافة بين الشاشة والقلب تضيق. وحين يصل الفيلم إلى لحظاته الأخيرة من صور و لقطات حقيقة، لا يَخرج المشاهد كما دخل. لا يُغادر القاعة بخلاصةٍ فكرية أو فلسفية، بل بجرح عميق يصعب تسميته، لقد تحوّل من متفرج إلى شاهد، ومن متلقٍ إلى طرف في معادلة أخلاقية لا تقدم مَخرجًا سهلًا.
ينتهي العَرض، تُضاء الأنوار، لكن شيئًا في الداخل يبقى عالقًا كوشم، أو ندبة، لا يزال الصوت يتردد مناشداً ما تبقى من انسانية هذا العالم، يسألك بصوت خافت: ماذا ستفعل بكل ما سمعت؟


