عمر محمد بركات
إذا كانت الحياة فعلاً مسرحًا كما قال شكسبير ذات يوم، فإن فيلم Ghostlight يطرح تساؤلًا أعمق: ماذا يحدث عندما يُسدل الستار؟ وكيف نواجه الحزن الذي لا ينطفئ مثل أضواء المسرح الخافتة؟ في هذا الفيلم، الذي أخرجه كل من (أليكس تومبسون) و(كيلي أوسوليفان)، نشاهد دراما كوميدية / عاطفية تسلط الضوء على “دان”، عامل البناء الكادح البسيط، والذي يأخذنا في رحلة مليئة بالتأملات، حيث يصبحُ الفن لغةً بديلة لتفريغ المشاعر التي تعجز الكلمات عن التعبير عنها.
يبدأ الفيلم مع “دان”، في أحد مشاريع البناء في مدينة شيكاغو، الذي يكدح في حياته مابين الاستيقاظ المبكر والعمل الشاق والحزن الدفين. المأساة العائلية -التي وقعت مؤخراً- جعلت من حياته وحياة زوجته “شارون” أكثر صعوبة بينما يواصلان ترويض تمرد ابنتهما “ديزي”. وسط هذا الصراع، يأتي لقاء عابر مع “ريتا”-التي تدير فرقة مسرحية مجتمعية خيرية- ليغير حياة “دان” حين يجد نفسه فجأة وسط إعداد مسرحي لـ (روميو وجولييت) حيث تتحول خشبة المسرح إلى مرآة تعكس آلامه وتطلعاته المكبوتة.

أداءات صادقة في الحياة و على المسرح
منذ المشاهد الأولى، يشدنا الفيلم بصدقه وتلقائيته. يتميز بمزيج فريد بين الفكاهة والحزن، مما يجعلنا نشعر بأننا جزء من عالم الشخصيات. لا يبالغ الفيلم في طرح مشاعرهم، بل يقدمها بسلاسة تجعل المشاهد يشعر بكل لحظة وكأنها تخصه شخصيًا. على حد وصف ناقد مجلة Collider بقولها: “إنه فيلم يعرض مشاعره بصدق ويستحق كل لحظة عاطفية فيه.”
أداء (كيث كوبفرر )كان ممتازاً فقد نجح في تجسيد شخصية “دان” بعفوية ومصداقية، نراه يكافح فعلاً ليخفي حزنه وراء واجهة من القوة والصمود. على الجانب الآخر، أضافت (دولي دي ليون) حيوية ومرحًا عبر شخصية مديرة الفرقة”ريتا”، مما أضفى توازنًا بين اللحظات العاطفية الثقيلة واللحظات التي تنبض بخفة الظل.

من الناحية الموضوعية، يسلط الفيلم الضوء على الدور الذي يلعبه الفن في التعبير عن مشاعرنا العميقة. فالمسرحية الشكسبيرية ليست مجرد إضافة جمالية، بل عنصر متشابك مع القصة الرئيسية يعكس صراعات الشخصيات الداخلية. يطرح الفيلم تساؤلاً صريحًا: هل يستطيع الفن حقًا أن يداوي جراحنا؟ الإجابة التي يقدمها الفيلم ليست مثالية أو محددة، لكنها حقيقية ومفعمة بالأمل. اسم الفيلم يرمز إلى الضوء الذي يبقى مشعلاً بعد انتهاء العرض، مثل الذكريات والأوجاع التي تظل حية في قلب “دان” حتى بعد مرور الزمن، مما يعكس الصراع العاطفي المستمر في القصة.
من الناحية البصرية، ألوان الفيلم هادئة تعكس المزاج العاطفي للفيلم. الأجواء الرمادية لمدينة شيكاغو، إلى جانب الأضواء الدافئة للمسرح تضيف على المَشاهد شعورًا حميميًا وكأنك تتلصص على حياة الشخصيات.

عمق الطرح لا يغطي على الحبكة متوقعة
رغم عمق الفيلم وصدقه، بعض المشاهد تبدو مألوفة في قوالب درامية معتادة، مثل قصة “الغريب الذي يجد نفسه في بيئة جديدة”، وهذا ما يجعل الحبكة متوقعة أحياناً، بالإضافة إلى ذلك، يميل الفيلم أحيانًا إلى شرح موضوعاته حواراياً بشكل مباشر، مما يضعف من تأثير اللحظات المهمة.
التنقل بين النغمات العاطفية والكوميدية نجحت في معظمها، لكن بعض المشاهد الكوميدية، خاصة تلك التي تسخر من تصنع الممثلين، كانت متكررة واستنزفت بعض الزخم الدرامي للقصة. أما شخصية “ديزي” -رغم تميز (كاثرين كوبفرر) وعفويتها-، فقد جاءت كتابتها غير متوازنة بعض الشيء؛ حيث اتسمت أحيانًا بالسطحية، مما أضعف من تأثير رحلتها العاطفية.
حظي Ghostlight بتقدير كبير نقدياً ونال حضوراً المهرجانات السينمائية وخاصة المستقلة، بفضل بساطة العمل و صدقه وأداء طاقم التمثيل، من الجدير بالذكر أن العديد من طاقم العمل هم ممثلون مسرحيون متمرسون في مسارح شيكاغو، مما أضاف أصالة على تصوير عالم المسرح.

عائلة حقيقية تمثل دور العائلة!
ومن بين التفاصيل التي تستحق الذكر، أن (كاثرين مالين كوبرير)، التي لعبت دور “ديزي”، هي الابنة الحقيقية ل(كيث كوبرير) و(تارا مالين) زوجته في الفيلم و الواقع، هم في الحقيقة عائلة كما هم في الفيلم، هذا الرابط العائلي أضاف عمقًا واضحًا لمشاهدهم المشتركة.
تحدث المخرجان (أليكس تومسون) و(كيللي أوسوليفان) عن فيلمهما بشغف في برنامج نقاشات الأكاديمية، مشيرين إلى أن العمل على الفيلم كان بمثابة “معجزة إنتاجية”. أوضح تومسون أن الفيلم كان تحديًا كبيرًا، خاصةً بالنظر إلى الميزانية المحدودة، وأضافا أن التعاون الوثيق بين الفريق ساهم في تحقيق رؤية الفيلم. كما أشارا إلى أن استخدامهما لممثلين حقيقيين من عائلة واحدة جاء مصادفة لكنه أضاف مصداقية وعمقًا للعلاقات بين الشخصيات، مما جعل الصراع العاطفي أكثر تأثيرًا.

قبل اسدال الستار
Ghostlight أكثر من مجرد فيلم عن الحزن والتشافي، بل هو تأمل صادق في دور الفن في حياتنا، وفي كيف يمكن له أن يكون مساحة للتطهير العاطفي، والتواصل، والفهم، نجح الفيلم في تقديم تجربة سينمائية شفافة، عرض مسرحي مجتمعي متواضع: بسيط، لكنه نابض بالحياة والمشاعر، يحمل رسائل أعمق بكثير من مظهره الخارجي.

