عمر محمد بركات

 تعودنا أن تكون أفلام السجون مليئة بالدراما القاسية والواقعية المفرطة، تغرق و تغرقنا في عمق المشاعر المؤلمة كالانتقام. لكن فيلم “سينغ سينغ”، الفيلم الثاني للمخرج المستقل (جريج كوييدار)، يقدم رؤية مختلفة: لا يتناول الفيلم قسوة السجون بشكل مباشر، بل يستكشف القوة التطهيرية للفن. تخيل لو أن مسرحية حلم ليلة صيف لـ “شكسبير” تُعرض في ساحة سجن عوضاً عن عرضها في مسارح نيويورك،  وبدلاً من السحر والفوضى و عمال البناء، كان السجناء يقاومون بآمالهم، ندمهم، ورغبتهم في فرصة جديدة للحياة. هذا بالضبط ما يقدمه  “سينغ سينغ”، حيث لا يستسلم أصدقاؤنا السجناء في سجن إصلاحية  سينغ سينغ بنيويورك -وهو سجن حقيقي بالمناسبة – لقضاء عقوبتهم فقط، بل يقدمون دليلاً تجريبياً على إمكانية التغيير وأحقية الفُرصة الثانية.

11 1

القصّة: من السجن إلى المسرح

تدور أحداث الفيلم حول “جون ويتفيلد” الملقب “ديفاين جي” -يلعب دوره (كولمان دومينغو)- الرجل الذي أدين ظلماً بجريمة لم يرتكبها، وقضى 25 سنة في السجن. من خلال برنامج “إعادة التأهيل عبر الفنون” (RTA) الذي ساهم في تأسيسه، يجد “ديفاين جي” وزملاؤه السجناء أداة للتحول والتغيير في عالم المسرح. المسرحية ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي طريقة للتنفيس عن المشاعر واستعادة الأمل في حياة أفضل. بينما يتحضر السجناء لعرض مسرحيتهم القادمة، التي تجمع بين أنماط متعددة من الأعمال والأساطير، من فراعنة مصر إلى شكسبير وحتى “كابوس في شارع إيلم” يواجهون خلال تدريباتهم تحديات تتعلق بماضيهم وحاضرهم، وتساؤلات حول حقيقة الحرية والعدالة، وفي هذا السياق يظهر دور كاتب السيناريو (كلينت بنتلي) المقتبس عن كتاب باسم “مغامرات سينغ سينغ” و الذي ترشح عنه لسيناريو لأوسكار أفضل سيناريو مقتبس.

2 9

قوة الفيلم: الأداءات المؤثرة والواقعية

ما يجعل الفيلم مميزاً حقاً هو الأداءات المليئة بالعاطفة والصدق. (كولمان دومينغو) الذي أثبت موهبته في فيلم “ما ريني ومسلسل “إيفوريا، يقدم أداءً رائعاً في دور السجين “ديفاين جي“. شخصيته قوية وهادئة، لا يكتفي بالظهور كضحية، بل يسقي كرامته وحلمه من خلال الفن. دومينغو يُجسد أمل الشخصية بطريقة واقعية، دون المبالغة العاطفية، مما يضيف مصداقية لكل مشهد في الفيلم، جدير بالذكر أنه نال استحسان النقاد وترشح للعديد من جوائز التمثل كالاوسكار و الحولدن جلوب و البافاتا.

الأداء الجماعي هو نقطة قوة أخرى في الفيلم، حيث يشارك فيه خريجو برنامج  RTA، وهم سجناء حقيقيون قضوا سنوات في إصلاحية “سينغ سينغ” يضيف هؤلاء الرجال بعداً حقيقياً للأداء، مما يعزز الواقعية في قصصهم الإنسانية التي تعكس تجاربهم في الحياة والسجن.

التصوير السينمائي في “سينغ سينغ” أيضاً يعد من أبرز ملامح الفيلم، حيث تم استخدام لقطات كاميرا يدوية تمنحنا إحساساً بالقرب والحميمية، وكأننا جزء من عالم السجن. الكاميرا هنا تراقب دون تدخل، تلتقط كل لحظة من حياة هؤلاء الرجال وتُظهر ضعفهم ترة وقوتهم في مواجهة تحدياتهم.

4 6

الخلاص من القيود… هل هناك جديد؟

بعض الملاحظات على الفيلم قد تجعلك تشعر بالتكرار. فهو يعتمد بشكل كبير على قالب الخلاص التقليدي، نعم، القصة مُلهمة، ورؤية تحول الأبطال، خاصة العلاقة بين “ديفاين جي” و ” ديفاين آي” (الذي يلعبه كلارينس مكلين الحقيقي)، هي جزء أساسي من التجربة، لكن هذا النوع من القصص ليس جديداً في عالم أفلام السجون. مع أن الفيلم يعالج الموضوع بشكل جيد وعاطفي، إلا أنه لا يتجاوز الحدود التقليدية، ونستعير هنا تعليق ناقد مجلة نيويورك “الفيلم مقسوم بين العالم المزدحم والواقعي الذي يعيد تمثيله، وبين قصة تقليدية” كان من الممكن للفيلم أن يغوص في عمق الحياة اليومية لهؤلاء الرجال خارج برنامج  RTA، لكنه اختار التركيز على قصص النجاح وتكريم المبادرة بحد ذاتها، مما يجعل تصوير الحياة في السجون يبدو آمناً ورتيباً، دون الإشارة إلى القضايا المعقدة التي تؤدي إلى السجن في المقام الأول.

3 7

الجوهر: أكثر من مجرد مسرحية

في النهاية، فيلم “سينغ سينغ” لا يعيد اختراع نوع (أفلام السجون)، لكنه يقدم لمحة صادقة عن الأمل والتغيير في عالم يفتقر أحياناً لهما. الأداءات رائعة، رغم أنه كان يمكن أن يستفيد من استكشاف شخصيات الفيلم وحياتهم بشكل أعمق إلا أن العمل على المسرحية الغريبة “كسر شفرة المومياء” هو جوهر ثمين ونقطة مضيئة بحد ذاتها مليئة بالعناصر المعبرة والرموز، هذه العناصر، سواء كانت مستوحاة من أساطير قديمة أو أعمال أدبية حديثة، تعكس قوة الخيال لدى السجناء، حيث مزجوا بين عوالم تاريخية وثقافية مختلفة لتقديم عمل فني متفرد يعبر عن قضاياهم ورحلتهم نحو الخلاص مما يمثل انتصاراً للخيال في مواجهة الظروف الصعبة، ويُظهر كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتشافي والتحول حتى في أقسى الظروف.Top of Form