عمر محمد بركات
إذا كان للسينما فئة مخصصة للأفلام التي تجعل المشاهد يشعر بعدم الارتياح في مقعده بينما لا يستطيع أن يرفع عينيه عن الشاشة، فإن فيلم “The Apprentice” سيكون مميزاً ضمن هذه الفئة. مزيج من الخيال التاريخي والدراما النفسية، يعرض فيلم المخرج (علي عباسي) قصة حياة (دونالد ترامب) الشاب بطريقة تبدو قريبة من الكاريكاتير—تخيل لو أن فرانكشتاين كان يعيش في ناطحة سحاب، وكان لديه مرشد شرير وطموح لا يعرف حدودًا في السعي وراء السلطة. في هذه الحكاية المظلمة والمثيرة، نتابع “دونالد ترامب” الشاب البريء (الذي يجسده سيباستيان ستان) وهو يخوض غمار عالم العقارات في نيويورك في السبعينات، مدعومًا من قبل—وأحيانًا مُتلاعبًا به—من قبل “روي كوهين” (الذي يجسده جيريمي سترونغ)، أحد المحامين البارزين ومثيري الجدل في تلك الفترة. الفيلم يشبه مشاهدتك لحادث سيارة يعرض ببطيء أمامك فأنت تعرف النتيجة مسبقاً، حيث لا يمكنك إلا أن تراقب كيف يتشكل هذا الشخص الذي سيصبح رئيس الولايات المتحدة الأكثر جدلاً، الشخصية التي نعرفها اليوم وهذا -بطريقة ما – يذكرنا كيف تشكلت شخصية (مايكل) في العراب.

في جوهره، يُعد الفيلم دراسة معمقة للعلاقة التكاملية بين “ترامب” و “كوهين”. النصف الأول من الفيلم، الذي يركز على صعود ترامب في عالم العقارات، يقدم سردًا مثيرًا عن كيفية تشكيل شاب طموح ليصبح رمزًا للرأسمالية المتوحشة. في هذا الجزء، يتألق (سيباستيان ستان)، حيث تقمص شخصية ترامب الشاب الوسيم الذي يسعى لإثبات شخصيته خارج عباءة والده، رغم رغبته أيضاً في إرضاء من حوله، ويظهر علامات على كونه الاستراتيجي المثابر والماكر الذي سيصبح عليه في المستقبل. يتقن (ستان) تجسيد ما يمكن تسميته بالثقة المتزايدة، ثقة تتحول إلى نوع من الغرور الفارغ بسبب غياب المبدأ أخلاقي.
أما أداء (جيريمي سترونغ) في دور “روي كوهين”، فلا يمكن وصفه إلا بأنه درس مجاني في الشر على المبادئ الميكافيلية، “كوهين” المحامي الشهير الذي كان له دور رئيسي في تشكيل شخصية “ترامب”، يتسم بكاريزما سامة تجعل المشاهد يتساءل كيف يمكن لأي شخص أن يثق به أو يتبعه. يقدم (سترونغ) أداءً يجمع بين قسوة القرش وخبث الأفعى. العلاقة بين “كوهين” و”ترامب” تتسم بالفضول والتوتر، خاصة عندما يُعلم كوهين ترامب قواعد حياته الثلاثة: “الهجوم، الهجوم، الهجوم”، “اعترف بشيء، أنكر كل شيء”، و”ادّعِ النصر ولا تعترف بالهزيمة”. هذه القواعد، التي أصبح ترامب معروفًا بتطبيقها في فترة حياته كرجل أعمال و في رئاسته، تأتي مشحونة بنفس برود “كوهين” اللامبالي، مما يذكّرنا بأن العلاقة بينهما ليست مجرد علاقة مرشد ومتعلم، بل هي دورة في فن التلاعب.
من الناحية البصرية، يعتبر فيلم “The Apprentice” بمثابة رسالة حب إلى نيويورك في السبعينات: مدينة قذرة، مليئة بالفوضى، ومشبعة بالطموح اللامحدود. يعكس إخراج (عباس)، بالتعاون مع تصوير (كاسبر توكسن) أجواء تلك الفترة بوضوح اوكأنك دخلت في أدغال من الخرسانة والمباني الشاهقة، حيث لا توجد طريقة للبقاء سوى بالصعود إلى القمة. وبالفعل، هذا هو بالضبط ما فعله “ترامب”.

البنية الدرامية للفيلم متينة ، إلا أن “The Apprentice” يواجه مشكلة عندما ينتقل إلى عقد الثمانينات. في هذا الجزء، يفقد الفيلم تركيزه ويصبح سطحياً. ولم يستطع الحفاظ على العمق الفكري الذي تم تأسيسه في النصف الأول، الفيلم “بدو وكأنه يدفعك إلى الاستنتاج بأنه لا يوجد تفسير لهذا الرجل سوى أنه مثال للجشع والرأسمالية، الانتقال الزمني المفاجئ بين السبعينات والثمانينات يتسبب في إهمال بعض التطورات المهمة، وفجأة، يصبح الفيلم الذي كان دراسة متأنية للشخصية وكأنه لغز غير مكتمل، مما يترك المشاهد مع العديد من الأسئلة المشروعة بلا إجابة. إن تردد الفيلم في التعمق في نفسية “ترامب” وصراعاتها الداخلية يجعله يبدو ناقصًا وهذا ما يجعلني أبدأ مقالي بوصفه فيلم يبدو أقرب إلى الكاريكاتير منه إلى دراسة جادة لرجل مهم غيّر مجرى التاريخ.
في مجمله، يجذبك ويجعلك تشعر بعدم الراحة في نفس الوقت—يجذبك بالأداء الاستثنائي، خاصة من (ستان) و(سترونغ) لكنك تشعر بضعفه بسبب فشله في تحليل تعقيدات موضوعه ، يغدو مجرد لمحات مثيرة شبه وثائقية عن كيفية صناعة الوحش، ولكنها لا تغوص أعمق من السطح.

