عمر محمد بركات
إذا كنت قد تساءلت يومًا كيف سيكون الأمر إذا قام “هيو جرانت” بدور عالم لاهوتي مختل يغني لفرقة “راديوهيد” ويقلد شخصيات حرب النجوم، فإن فيلم (الزنديق )Heretic هو تمامًا أفضل ما يمكن لخيالك أن يصل إليه. قد لا يغير هذا الفيلم قواعد أفلام الرعب، لكنه بلا شك يعرف كيف يجذبك ويجعلك مستمتعًا بينما يقلب إيمانك – ومعدتك – رأسًا على عقب.
“الزِندِيق” أو “المُهرطِق”، من إخراج وكتابة “سكوت بيك” و”براين وودز” -العقول المبدعة وراء سيناريو فيلم A Quiet Place وأفلام رعب أخرى مثل The Bogyman- تدور أحداث الفيلم في بلدة نائية حيث تقرع الراهبتان المورمونيتان من كنيسة قديسي الأيام الأخيرة، الأخت باكستون (كلوي إيست) والأخت بارنز (صوفي ثاتشر) – الممثلة الموهوبة التي تميزت في مسلسل Yellow Jackets – باب منزل رجل غامض اسمه “ريد”، أبدى اهتمامه بمعرفة ديانتهم (هيو جرانت) الذي يدعوهما لدخول المنزل، يبدو رجلاً هادئًا ودوداً في البداية، لكن سرعان ما يتبين أنه أكثر بكثير مما يظهر، و مع مرور الوقت تجد الراهبتان نفسيهما عالقتين في لعبة نفسية وجسدية يديرها “ريد”، الذي يتبين أن لديه أراء دينية وفلسفية يريد أن يبرهنها بطريقته المخيفة وعقليته المريضة، بينما يستمتع بالتلاعب بقناعاتهن.

أداء (هيو جرانت) في دور “ريد” هو جوهر ما يميز الفيلم، حيث يجسد الشخصية ببراعة وبطريقة غريبة هي مزيج بين اللطف و الشر والسخرية. يظهر أحياناً وكأنه يمتلك سلطة مرعبة، ثم يتحول إلى شخص مضحك ومأساوي في آن واحد. إذا أردنا المقارنة، تذكرنا شخصيته بدور الشرير الذي أداه “جرانت” نفسه في Paddington 2 “فينيكس بوكانان”، لكن مع تأملات فلسفية أكثر وجرعة أقل من الحيل الطريفة. وصفت صحيفة The Daily Beast أدائه بأنه ” مخيف وفي نفس الوقت يملك سحرًا لا يقاوم… شرير، لكنه يطرح بعض النقاط التي تستحق التفكير”. أداء (جرانت) رفع من قيمة الفيلم و متعة المشاهدة.
ايضاً تبرز الكيمياء بين البطلتين كإيجابية أخرى للفيلم، الأخت “باكستون” التي تجسدها (إيست)، هي شابة ساذجة وقليلة الثقة، تضيف عنصرًا فكاهيًا منذ البداية يخفف من حدة أجواء الرعب، حيث يمثل إيمانها البريء وطريقتها الغريبة والمباشرة في التعبير نقطة تباين مميزة في مقابل تصرفات “ريد” الخبيثة. أما الأخت “بارنز” التي تؤديها (ثاتشر) فتمتلك حضورًا أكثر ثباتًا وعقلانية، مما يعزز الديناميكية بين الشخصيتين. معًا، تخوضان سلسلة من التجارب المُخيفة و التي تتصاعد بشكل فكاهي في بعض الأحيان، مما يجعل التوتر يبدو وكأنه غرفة هروب عقلية أكثر منه قصة رعب تقليدية.

من الناحية البصرية، تصميم ديكورات المنزل القاتمة، الممرات الضيقة، القبو المظلم الذي يحتجز فيه ريد ضيوفه البريئين، هو بحد ذاته شخصية أخرى في الفيلم. تصميم الإنتاج يعكس جوًا داخلياً مرعبًا، حيث تشعر أن الجدران وكأنها تضيق مع كل لحظة. إن الممرات المتشابكة والمظلمة تجعل من ديكورات (فيليب ميسينا) إضافة مهمة تُسهل عمل الممثلين وتجعل المرئي أكثر إقناعاً للمشاهد. هذا المكان يتحول إلى أرض خصبة لألعاب الشرير النفسية ويجسد الحصار الديني للشخصيات بين الإيمان و التكذيب.

لكن في لحظات مابعد المنتصف يبدو الفيلم وكأنه يتراجع أو ينحرف. على الرغم من الأداءات المميزة والنقاشات الجدلية الجاذبة، إلا أن سبر آغوار الفكرة الدينية تبدو سطحية في المُجمل. التأملات الفلسفية التي يقدمها “ريد” حول تطور الرموز الدينية والتناقضات التي تحملها الأديان تصبح غير مترابطة، ظهر الفيلم في أفضل حالاته عندما يبالغ في السخرية، مثل مشهد غناء ريد لـ “راديوهيد” أو تقليده العفوي لشخصية “جار جار بينكس”، لكنه عندما يحاول التعمق في الفلسفة، يفتقر إلى القوة اللازمة ليقدم شيئًا مثيرًا للتفكير ناهيك عن ضعف الحجة أحياناً. تشعر كمشاهد أن النصف الثاني من الفيلم إلى قد تحول إلى حيل مصطنعة وعروض مبالغ فيها للحفاظ علىرالتشويق على حساب المحتوى. ثم تأتي النهاية تبدو عادية جدًا مقارنة بالتصعيد الفلسفي الذي سَبقَها، كما أنها تترك الجمهور مع مزيد من الأسئلة بدلاً من الإجابات. بنظري، كان من الأفضل لو أن الفيلم قد استغل الفرصة لاستكشاف الزوايا المظلمة لإيمان “ريد” والغوص أكثر في ماضي و خفايا البطل التي صنعت شره بدلاً من التجول على هوامش العقائد. الفيلم يطرح أسئلة سطحية حول الإيمان والحقائق، لكنه لا يلتزم بالتعمق في أي منهما بجدية.

يمكن القول أن الفيلم يشوبه نقصٌ في الأصالة، حيث يبدو مشتقًا بشكل جليٍ من أفلام أخرى أتقنت مزيج الرعب والسخرية والنقد الموضوعي. يعتمد الفيلم في فكرته الأساسية على أبطال ساذجين عالقين في منزل معزول مع مضيف كاريزمي ومتلاعب، مما يذكّرنا بشكل واضح بأفلام مثل (Get Out 2017)، (The House of the Devil 2009) و(The Invitation 2015) ، كما أن استكشافه لموضوعات الإيمان والقيود المجتمعية يشابه – إلى حد ما – ما رأيناه في (The Witch 2015) و (Rosemary’s Baby 1968)، في حين أن الخلط بين الفكاهة الداكنة والتشويق المرعب تذكرنا بـ (Ready or Not 2019) و(Midsommar 2019). وبينما استفادت هذه الأفلام من فرضياتها لتقديم وجهات نظر جديدة بعضها قد تجاوز القوالب المألوفة، يعتمد فيلم “المهرطق” بشكل كبير على الموضوعات والنماذج المألوفة بدون جرأة على أن يسبب صدمة حقيقية أو يسيء إلى المشاعر ، مما يقلل من تأثيره.
النتيجة في المحصلة هي فيلم يستوحي عناصره القصصية من أعمال بارزة سابقة بدون تجديد، لكنه ينجح في تقديم تجربة ممتعة ومسلية وجاذبة حتى النهاية، بفضل مزيجه الخاص من الرعب والفكاهة المغلفة بأداءات تمثيلية مميزة، مما يجعله إضافة جيدة لعشاق هذا النوع من الأفلام.

