عمر محمد بركات
بعض الأفلام لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تعيد تشكيل وعينا بها واستقبالنا لها، فيلم “أولاد إصلاحية نيكلز” المتميز بتصويره و الذي أخرجه (راميل روس) مقتبسًا عن رواية (كولسون وايتهيد) الفائزة بجائزة “بوليتزر”، لا يسير وفق منحنى روائي تقليدي؛ بل ينساب كروح تهيم في الضباب عبر طبقات الذاكرة، والألم، والظلال الممتدة لتاريخ أمريكا العنصري القريب. بعيون سُجناء “نيكلز” اليافعين، يروي حكاية “إلوود كيرتيس” – يجسده (إيثان هيريس) بأداء صادق – ذلك الفتى اللطيف الذي يعيش في عالم لا يرحم، لكنه لا يستسلم رغم قسوة هذا العالم.
تدور أحداث الفيلم في ستينيات (فلوريدا) في نهاية ما يُعرف بـ”حقبة جيم كرو” وهي فترة مظلمة من التاريخ الأمريكي امتدت لما يقارب قرنًا من الزمان، فُرضت فيها قوانين الفصل والتمييز ضد الملونين، وكُرّست منظومة قمعية قوامها التهميش والعنف الممنهج، نتابع مَشاهِد من حياة “إلوود”، مُراهق أسود مجتهد، ومؤمن بشدة بحلم (مارتن لوثر كينغ)، و الذي سيُشَكل بوصلته في الحياة، يتحوّل إيمانه إلى عبء حين يُعتقل ظلمًا أثناء توجهه إلى المدرسة. يُزجّ به في “أكاديمية نيكل”، وهي مؤسسة إصلاحية خيالية مستوحاة من واقع مرير تجسد في “مدرسة آرثر دوزير للبنين”، المعروفة بتاريخها العنصري.

في هذا المكان القاسي، يتعرف إلوود على “تورنر” (براندون ويلسون)، شاب ذكي قادم من الشارع، يحمل نظرة ساخرة للعالم تشكل نقيضًا مباشراً لإيمان “إلوود”، ومع ذلك تنشأ بينهما علاقة صداقة أخوية متينة. قصتهما ليست مجرد رحلة نضوج، بل مسار مؤلم نحو الحقيقة.
(راميل روس) الذي نال إعجاب النقّاد بفضل فيلمه الوثائقي المرشح للأوسكار Hale County This Morning, This Evening في عام ،2019 ينقل إلى “نيكل بويز” -فيلمه الروائي الأول- نفس الحس الشاعري والبصري المرهف، فهو هنا لا يقدم اقتباسًا حرفيًا للرواية، بل يبني ما يشبه “مخطوطة بصرية”، أو “أرشيفًا شعوريًا”، تتداخل فيه الحقيقة مع الخيال، وتعيد فيه الذاكرة كتابة نفسها. يصور الفيلم بنسبة العرض (4:3) مما يخلق إطارًا بصريًا ضيقًا يخنق الشخصيات ويقربنا منها في آنٍ معاً. المخرج والمصور (جومو فراي) لا يقدمان صورًا نمطية للمعاناة، لكنهما ينجحان في التقاط ذلك الخوف العميق في العيون، ورعب النظام القمعي في المدرسة.

يتعامل صناع الفيلم مع كل لقطة كما لو كانت قطعة من شريط ذاكرة: يد تخلط أوراق اللعب، رماد سيجارة يتهادى في الهواء، أساور ذهبية تلمع بثقل الزمان. هذه التفاصيل ليست مجرد أشياء، بل آثار من طفولة سُرقت، مُصورة بدقة تجعلها تبدو كأنها تنتمي لعالم موازي. العادي يتحوّل إلى رمزي، والمألوف يصبح حميمياً. في مشهد مؤثر، ينعكس وجه “إلوود” في زجاج أحد المتاجر، محاطًا بشاشات تلفاز باهتة وصوت (مارتن لوثر كينغ) المؤثر، لحظة جمال هشّة ترافق الفيلم كظلٍ لحياة يُخبءُ لها القدر مصيراً بالغ القسوة.
الأداءات التمثيلية متقنة وتنسجم بانسيابية مع نبرة الفيلم، يجسد الممثل الصاعد (إيثان هيريس) دور “إلوود” بحساسية داخلية تتراوح بين الأمل الصامت والكرامة الجريحة، بينما يمنح الشاب (براندون ويلسون) شخصية “تورنر” حيوية واقعية نابعة من تجربة مؤلمة مع التهميش والتحيز، لكن الحضور الأقوى يأتي من الموهوبة (أنجانو إليس-تايلور) في دور الجدة “هاتي” رغم صغر الدور، إلا أنها تُشرق على الشاشة بأداء ينضح بحزنٍ قديم خلف ابتسامة أسى: كل حركة، كل نظرة، كل توسل منها، تروي فصولاً من الألم، يا له من مشهد وهي تطلب عناقًا من “تورنر” بعد أن تُمنع من رؤية حفيدها، لحظة تتهاوى فيها المسافات بين المأساة و الرحمة.

ورغم قوة مشاعر الفيلم، إلا أنه لا يقدّمها على طبق من فضة، فالفيلم لا يسعى إلى إثارة المشاعر الجاهزة، بل يغمرنا في حالة شِعرية بصرية تتجاوز الإيقاع السردي الكلاسيك، وهذا قد يجعل بعض المشاهدين يشعرون بالتيه وسط بنية الفيلم، فالسرد عبر (منظور الشخص الأول) رغم عمقه قد يخلق فجوة شعورية مع الشخصيات، فنحن نرى ما يرون لكننا ننسى أحيانًا من هم. مع أن طريقة السرد من منظور الشخص الأول مألوفة في أنواع الرعب، الخيال العلمي و الفانتازيا و تم استخدامها في أفلام عديدة منذ أربعينيات القرن الماضي إلا أنه يُعتبر أول فيلم درامي يعتمد عليها بالكامل وينجح في نقل تجربة الشخصيات بكل عمق وواقعية.
نقّاد كُثر توقفوا عند هذه النقطة، على سبيل المثال أشار ناقد موقع A.V. Club إلى أن “الالتزام الشكلي لدى (روس) أحيانًا يعوق تدفق المشاعر والسرد”، فيما وصفت مجلة Little White Lies بنية الفيلم بأنها “غامضة ومراوغة، ويصعب الإمساك بها”. وهي ملاحظات دقيقة؛ يحتوي الفيلم على مقاطع تتطلب التوقف عن التجريد والانغماس في اللحظة، مما يتيح للمشاهد الصبور فرصة التفاعل مع التفاصيل الإنسانية بعمق أكبر.
ومع بلوغ الفصل الأخير، يأخذ السرد قفزة زمنية مفاجئة، حيث نرى “إلوود” وهو كبير -يؤديه (دافيد ديغز)- بصمت ثقيل، وهو يبحث عبر الإنترنت عن قبور “مدرسة دوزير”، مع أن الانتقال مفاجئ، لكنه يخدم رسالة الفيلم، حتى وإن أربك بعض المشاهدين غير المستعدين لتغيّر النغمة والإيقاع.
إن هذه الفراغات السردية ليست خللاً، بل هنا يكمن لُبّ المعنى، لا يسعى الفيلم لتقديم مسار عاطفي متكامل، بل يذكّرنا بأن هناك الكثير من الأبطال لم يُمنحوا خاتمة مشرفة، هناك حيوات بُترت، وتواريخ مُسحت، وعدالةٍ ما زالت مؤجلة إلى أجلٍ غير مسمى. (راميل روس) هنا لا يروي قصة بقدر ما يبني أرشيفًا أسودًا -بطريقته الخاصة- متحديًا قرونًا من الحكايات المكتوبة بعدسات مؤسساتية بيضاء.

في السياق الثقافي، تجاوز صدى الفيلم نقد العنصرية في أمريكا ليعكس تجارب إنسانية عالمية حول الظلم والعيش تحت أنظمة تسلب الإنسان “إنسانيته”، أما للمشاهد العربي، الذي عايش الاستعمار، والاستبداد، وفقدان الهوية، أو القمع من قبل السلطات، فإن (نيكل بويز) يلامس الوجدان بحس مأساوي مألوف، حيث الألم قابل للترجمة، والصمت يصرخ مؤذناً بثورة.
يمكن إدراج العمل ضمن تيار سينمائي معاصر يشمل أعمالًا مثل All Dirt Roads Taste of Salt لـ (رافين جاكسون) وMoonlight لـ (باري جينكنز) لكن ما يميز (روس) هو مساره الفريد، وصفة سرية محتواها أرشيفي، حقيقي، وملموس، يُعيد ابتكار الشكل الروائي البصري ، ويعيد أيضاً تعريف فعل التذكّر، فلا يكتفي بجعلنا نتخيل ذكريات الماضي، بل يدفعنا إلى أن نشعر بها من جديد.
في النهاية، تبقى روح “إلوود” -بأملها وعنادها، المرسوم في كل حركة من أداء (هيريس)- هي ما يبقى في الذاكرة، رغم الرعب، رغم الطمس، رغم محاولات النظام لمحو وجوده، يبقى شبح “إلوود” رمزاً يطارد الذاكرة الجماعية للحضارة الحديثة التي بنيت فوق أجساد المضطهدين والمنبوذين

