عمر محمد بركات
في فيلم My Old Ass ، تأخذنا المخرجة و الكاتبة (ميغان بارك) في رحلة مثيرة إلى حياة “إليوت” التي تلعب دورها (مايزي ستيلا)، الفتاة البالغة من العمر 18 عامًا والتي تقف على عتبة البلوغ، حيث تكتشف أن النضوج ليس لحظة بطولية مدهشة، بل مشهد صامت تتوارى فيه البراءة خلف نظرة تأسر الروح عشقاً، أو وداع يعصر القلب ألماً.
يبدأ الفيلم ب”إليوت” وهي تستعد لمغادرة مزرعة التوت البري التي تملكها عائلتها في ريف (أونتاريو)، متشوفةً لاكتشاف حياة جديدة في مرحلة مشوقة من حياتها. عطلتها الصيفية، التي يُفترض أن تكون مليئة بالمغامرات غير المقيدة، تتخذ منحى غير متوقع عندما تلتقي بنسخة من نفسها في سن 39 عامًا، تؤديها ببراعة (أوبري بلازا) تحت تأثير الهلوسة التي تصاحب تعاطي نوع من الفطر. ما يتبع ذلك اللقاء هو رحلة مرحة وعفوية لاكتشاف ذاتها، تمزج بين الكوميديا والواقعية والسريالية، مما يجعله فيلمًا غنيًا وحافلًا بالمتعة.

قد يبدو الموضوع للوهلة الأولى كفيلم خيال علمي غريب، لكن التوجيه الدقيق في سيناريو (بارك) يُضفي على الفيلم طابعًا عاطفيًا يجعله مُقنعاً -يُذكرنا بأفلام الكوميديا الرومانسية الرائعة في التسعينات- مما جنب الفيلم انزلاقاً في وحول الواقع – المُربك والمُرتبك – الذي يعايشه الشباب في مرحلة الانتقال من المراهقة إلى البلوغ. أيضاً يُحسب للمخرجة تبسيط الفكرة والتركيز على المغزى الاخلاقي والعبرة بدلاً من السقوط في فخ التبريرات من ناحية الحبكة، و الايديولوجيا من ناحية المحتوى.
تحاول “إليوت” استيعاب مشاعرها من ارتباك تجاه ميولها وأحلامها ومستقبلها، وتواجه تحديات كبيرة ليس فقط من خلال مواجهة نفسها الأكبر سناً، ولكن أيضًا عبر تعقيدات علاقاتها مع عائلتها وانتمائها واهتماماتها العاطفية. وبينما يتناول الفيلم: التباين بين طموحات الشباب والحقيقة التي نكتسبها بعد أن نكبر، فإنه يقدم موضوعاته بنغمة رومانسية تأملية هادئة تلامس قلب كل من مرَّ بتلك المرحلة، التي تبدأ دائماً برغبةٍ عارمة لاستكشاف المستقبل المجهول.

أداء ممتاز يلفت الأنظار من (ستيلا) و (بلازا)
أكثر ما يميز الفيلم هو الأداء الاستثنائي الغير متكلف للشابة (مايزي ستيلا) التي تتمتع بحضور لافت رغم أن ملفها في IMDb قد يبدو متواضعًا. تألقت بعفويتها و جمالها اللطيف في دور “إليوت” وأبدعت في تجسيد شخصية شابة متفائلة تعيش صراعًا داخليًا بين رغبتها في خوض تجارب الحياة وبين تمسكها بمن حولها وخوفها من الفقدان.
قدمت الشخصية بكل تفاصيلها من الإحراج والضعف والفطنة الحادة، مما جعل المشاهد يتماهى في رحلة نضوجها، كما أضافت (ستيلا) للشخصية عمقًا حكيماً يجعل الفيلم أكثر من مجرد قصة عادية لمراهقة تبحث عن مكانها في الحياة.
نعم، تتألّق (ستيلا) بأداء ينبض بالعاطفة والصدق، لكنها لا تتألق وحدها، فالكيمياء الحقيقية تنبع عندما تدخل (أوبري بلازا) المشهد، بتجسيدها الذكي للنسخة الأكبر من “إليوت”، حضور (بلازا) يحمل مزيجًا نادرًا من الحكمة والسخرية، يضفي على الفيلم روحًا لا تُقاوم. الكيمياء بين الاثنتين آسرة، تتراوح بين الجدّ والدعابة، وخاصة في تلك الحوارات المرحة التي تحاول فيها النسخة الناضجة أن تُرشد نفسها الأصغر دون أن تفسد المسار. هذه العلاقة المليئة بالتوتر اللطيف والمواقف الطريفة تُعد من أكثر عناصر الفيلم جاذبية، وتُعطيه ذلك البريق الخاص الذي يتمنعه أن يصبح دراما مراهقَة مألوفة بل ليكون تجربة فريدة، مرحة، ومؤثرة في آنٍ معًا.

الحبكة والموضوعات: حيث يلتقي السريالي بالواقعي والساخر بالعاطفي.
تبدأ الحبكة ببساطة كفيلم درامي كوميدي للمراهقين: “إليوت” وأفضل صديقاتها يذهبن في رحلة تخييم إلى الغابة لتجربة “فطر الهلوسة”. لكن ظهور النسخة الأكبر من “إليوت”، بعد تناول شاي الفطر، يُضيف بُعدًا مقبولاً من الخيال العلمي إلى القصة. استخدام الفطر كأداة رئيسية في الحبكة منح (بارك) الفرصة لدمج الواقع مع الخيال بسلاسة، حيث تصبح تفاعلات “إليوت” مع نفسها الأكبر مدخلًا لاستكشاف أعمق حول العائلة والهوية والقرارات التي تحدد مسار حياتنا.
من حيث الموضوعات، يتناول الفيلم بعض القضايا التقليدية في أفلام النضوج: الانتقال الحتمي من المراهقة إلى البلوغ، الصراع في التوفيق بين من كنا نحلم به ومن نصبح عليه، والتردد الطبيعي في ترك ما نعرفه من أجل سعي غير مألوف لشيء جديد، لكن مع بساطة في السرد وحوارات عفوية ذكية مضحكة أحيانا و مؤثرة في أحيان أخرى.
أحد أبرز مشاهد الفيلم، عندما تتردد (إليوت) في مغادة المنزل و تُجري حديثًا مؤثرًا مع والدتها (ماريا ديزيا)، كانت لحظة هادئة مليئة بالعواطف، برزت فيها الرسالة الأساسية للفيلم: أهمية تقدير لحظات الحياة قبل أن تنقضي. هذا الحوار يلخص مفهوم القصة و الذي تحاول النسخة الأكبر من “إليوت” تمريره لنفسها الأصغر، وهي تدعوها للاستمتاع بكل لحظة مع عائلتها وتحميها أيضاً من اختياراتٍ تُخبىءُ وراءها ألماً.

الفكاهة، العاطفة، وقليل من الفطر
تعد الفكاهة في الفيلم أحد عناصره السحرية، حيث توازن بين اللحظات العاطفية العميقة والمواقف الخفيفة. الحوارات مليئة بالفكاهة، خصوصًا عندما تتبادل النسختان من إليوت حديثهما الساخن. الفكاهة تنبثق بشكل طبيعي من غرابة المواقف وعفوية الحوار، مما يجعلها أكثر حميمية ومتعة. كما أن هناك لحظات سريالية كوميدية تبرز بشكل طريف، مثل محاولة “إليوت” استحضار نفسها الأكبر مرة أخرى، ليظهر “تشاد” في رؤية غريبة لهوسها الطفولي ب (جاستن بيبر) تضيف هذه المشاهد لمسة فنية ظريفة تحمي الفيلم من أن يصبح تقليديًا أو ثقيلًا.
قد يرى البعض أن الفيلم الفيلم يعاني قليلاً من مشكلة في الجزء الأول حيث يبدو أبطأ، مع بعض المشاهد التي تستغرق وقتًا طويلاً في التمهيد للوصول لأجواء الأحداث الخيالية. ولم تبدأ الحبكة في اكتساب الإيقاع الصحيح إلا عندما تظهر بلازا في دور النسخة الأكبر من “إليوت”، حينها يبدأ الفيلم في التوازن بين العاطفة والفكاهة بشكل أكثر سلاسة.
إلا أن النتيجة النهائية مُرضية و مُمتعة، تميز الفيلم بوضوح بحس الفكاهة القوي والصدق في استكشاف موضوعاته، مما يجعله أفضل من أفلام المراهقة التقليدية، إنه فيلم يشعرك وكأنه لمسةٌ حانية، أو حضنٌ دافئ، ممزوج بابتسامة دامعة، تُخبرك أن الوقت الذي سوف يمضي لن نتمكن من استعادته، ويبقى السؤول الأزلي: فهل ستتغير اختياراتك لو عرفت المصير؟

