عمر محمد بركات
يأخذك فيلم It’s What’s Inside 2024 “إنه ما في الداخل”في دوامة من الفوضى السردية، واعدًا بتقديم إثارة نفسية وخيال علمي، لكنه يتركك تصارع فوضى القلق الذي يعيشه جيل الألفية، والفشل الأخلاقي، وهو مفهوم واعد لكن هل يتمكن من تحقيق إمكاناته بالكامل؟ يأخذنا الفيلم في لعبة تبادل الأجساد بإيقاع بصري مذهل تصاحبه موسيقى كلاسيكية تضفي جواً من الغرابة المحببة.

وليمة سينمائية جذابة: تبادل الأجساد و جيل الألفية
أول 30 دقيقة من الفيلم هي بمثابة عرض مذهل بصريًا. مدير التصوير “كيفن فليتشر”، بالتعاون إخراج و تحرير “جريج جاردين” المتميز في فيلمه الطويل الأول، يقدم تجربة بصرية تجمع بين الحنين إلى الماضي والحداثة. يستخدم الفيلم مجموعة متنوعة من التقنيات السينمائية، مثل الشاشات المنقسمة، و صور بالأبيض والأسود تتحرك بطرق إبداعية، و استخدام “لقطة القزحية”- وهي تقنية من عصر الأفلام الصامتة حيث يتم تقليص الشاشة إلى دائرة صغيرة مركزة- و أيضا اللقطات والصور المستوحاة من عالم السوشيال ميديا المعاصر.
في لحظاته الأولى، يفيض الفيلم باللمسات الأنيقة. الكاميرا الديناميكية والمتحركة، تقدم لمحات عن حياة ضيوف حفلة روبن بعد ثمان سنوات من تخرجهم، أصدقاء من الجامعة يجتمعون في قصر فاخر ومعزول. شخصياتهم مألوفة جدًا لعصر الرقمنة: المؤثرون، أصحاب الملايين التقنيون، الروحانيون، الباحثون عن ذواتهم، المنافقون … جميعهم يحتمون خلف واجهات براقة تبدأ في التشقق تدريجياً. هذه الجمالية البصرية تجعلك متشوقًا لرؤية كيف سيحوّل جاردين هذا التمهيد المشوق إلى شيءٍ أكثر عمقًا.
في قلب “ما في الداخل” تكمن فكرة خيال علمي تقليدية – تبادل الأجساد – ولكن مع لمسة حديثة و أجواء معاصرة تتعامل مع قلق جيل الألفية حول الهوية، الصورة الذاتية، والهوس الاجتماعي. فوربس (ديفيد تومبسون)، صديق قديم -يهوى ألعاب البورد- يدعوه روبن -رغم وجود مشكلة قديمة فرقت بينهم- إلا أنه يظهر في الحفلة مع جهاز يزعم أنه قادر على تبادل الأجساد، وما يبدأ كلعبة بريئة، يتحول بسرعة إلى شيء أكثر خطورة. في هذه المرحلة، نكون مقيدين بالسؤال الرئيسي للفيلم: ليس من الفاعل، ولكن “من في جسدي؟ وماذا يفعل به؟”

الشخصيات: أنماط غير مكتملة التطور
هذه الفكرة تبدو واعدة في البداية، خاصةً في عالم مهووس بالمظاهر والشخصيات على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن هنا تبدأ العيوب في الظهور. عندما تبدأ الشخصيات بتبادل الأجساد، تتوقع لحظات من التجلي، من رؤية العالم بعيون شخص آخر – حرفيًا. لكن، الشخصيات مرسومة بشكل سطحي، وتجاربهم في تبادل الأجساد تفتقر إلى العمق العاطفي. بدلاً من استكشاف الأسئلة المتعلقة بالهوية والوعي والدوافع المخفيه، تتورط الشخصيات في سلوكيات سطحية، لا تتعدى الميول العاطفية مثل التقبيل أو تبادل الانجذاب الجسدي.
واحدة من أكبر عيوب الفيلم هي الشخصيات غير المتطورة. على الرغم من الافتتاح البصري المذهل، يتضح أننا لا نعرف من هؤلاء الأشخاص؛ أو الأسوأ أن لا نهتم بهم. الشخصيات، تبدو مجرد أنماط معتادة: مشهورة السوشيال ميديا الفارغة نيكي (أليسيا ديبنام-كاري)، الشاب المرح دينيس (غافين ليذروود)، والثنائي المتأزم شيلبي (بريتني أوغرادي) وسيرس (جيمس موروسيني) . دوافعهم تظل سطحية، ونحصل فقط على لمحات سريعة من حياتهم الداخلية قبل أن يبدأ تبادل الأجساد.

الإمكانات الضائعة: فشل فلسفي
في جوهره، يسعى “ما في الداخل” إلى استكشاف طبيعة الهوية وعلاقتنا بالجسد، سواء بالمعنى الحرفي من خلال تبادل الأجساد أو المجازي عبر الأزمات الداخلية التي يعانيها جيل الألفية.
فكرة تبادل الأجساد هي ثيمة سينمائية مألوفة غنية بالفرص وذات شجون، كما رأينا في Face/Off (1997) الذي يطرح توترًا نفسيًا وصراعًا داخليًا متشابكًا بين الشخصيات، و Freaky Friday (1976) الذي يعالج الروابط العاطفية بين أم و ابنتها وفهم الذات من خلال منظور الآخر، أما فيلم Being John Malkovich (1999) ، فيتناول كوفمان الفكرة بأسلوب أكثر عبثية وفلسفية، مستكشفًا الهوس بالتحكم في جسد الآخر كما يفعل محرك الدمى، مما يثير أسئلة عميقة حول الوعي والهوية. وفي The Skin I Live In (2011)، يتعمق ألمودوفار في قضايا أكثر ظلامًا، مركّزًا على التحكم بالجسد والهوية، ما يجعل الفيلم رحلة نفسية معقدة حول معنى الذات.
في تلك الأفلام، تُستخدم فكرة تبادل الأجساد لطرح أسئلة فلسفية ونفسية حول الهوية، التعاطف، واستكشاف الوعي. لكن “ما في الداخل” لا يصل إلى هذا العمق على الأقل كما يدعي اسمه. فعلى الرغم من الإمكانيات الكبيرة التي يقدمها هذا المفهوم -الانعتاق من الجسد-، يفشل فيلم جريج جاردين في استثمار فرصه السينمائية بشكل كامل، إذ يبقى السرد سطحيًا والشخصيات غير مكتملة، مما يحول الفكرة إلى مجرد أداة سردية دون تحقيق أبعادها الفكرية والنفسية.
إذا كان هناك شيء واحد لا يمكن إنكاره فهو القوة البصرية. الفيلم يمثل رحلة خيالية من الضوء والظل، اللون والتباين. تصوير فليتشر وموهبة جاردين في استخدام زوايا الكاميرا الإبداعية تحافظ على جاذبية الفيلم بصريًا، حتى عندما يتعثر السرد. القصر نفسه يبدو وكأنه شخصية، غرفه الغريبة وتركيباته الفنية المثيرة للقلق تخلق جوًا من الضياع والرهبة والترقب. لكن عندما نعرف أنها التجربة الأولى في فيلم طويل لكليهما نتوقع أعمالاً أكثر نضجاً و امتاعاً في المستقبل.

نقد ساخر وأداء جيد: فيلم ممتع رغم سطحية الطرح
على الرغم مما ذكرت، ينجح في تقديم رؤية ساخرة لشخصياته، حيث يتناول جيل الألفية بشخصيات مليئة بالعيوب، وفي بعض الأحيان، غير محبوبة. الممثلون أجادوا تجسيد أدوارهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقمص شخصيات بعضهم البعض بعد تبادل الأجساد، مما أضاف بعدًا ممتعًا وعزز التجربة السينمائية. الحبكة نفسها كانت مليئة بالتقلبات غير المتوقعة، حتى نصل إلى النهاية -التي لم تكن مرضية تمامًا إلا أنها جاءت متسقة مع السطحية العامة التي تعامل بها الفيلم مع موضوعاته.
نلاحظ أيضاً إشارات خفية حول الأنانية و الهشاشة التي تطغى على جيل وسائل التواصل الاجتماعي، ويكمن وراء السطور خيالاتُ نقدٍ لاذع يبرز من خلال شخصيات مهتمة بالمظاهر أكثر من الجوهر. وبينما قد يفتقر الفيلم إلى العمق الفلسفي، إلا أنه يبقى ممتعًا بفضل طاقم الممثلين الذين أضافوا حيوية لأدوارهم، مما جعل مشاهد تبادل الأجساد مثيرة ومسلية في سياق السرد.

