عمر محمد بركات
في عالم تهيمن عليه القيم المادية والسعي وراء الثروة، يأتي الفيلم التايلندي (كيف تكسب الملايين قبل أن تموت الجدة) ليعيد توجيه البوصلة نحو العلاقات الإنسانية الحقيقية، حيث تكشف القصة أن أثمن الكنوز لا توجد في البنوك، بل في قلوب الأحباء. الفيلم يحكي لنا عن الشاب، “ إم “ ، الذي يلعب دوره الممثل الموهوب (باثيبونغ بيلكين)، والذي يعتقد أن وفاة جدته الوشيكة قد تكون طريقه نحو الثراء، لكن مع تطور الأحداث، يتضح أن الحكاية تتمحور أكثر حول الروابط الأسرية، ممزوجة بالكوميديا اللطيفة والمواقف المؤثرة التي تستدعي مشاعراً صادقة وبعض الدموع.

الحبكة حرفياً : كيف تكسب الملايين قبل أن تموت الجدة
الفيلم يبدأ بتقديم عالم ” إم ” ، الشاب الذي ترك دراسته الجامعية ويعيش أحلاماً عن الثراء كصانع محتوى لم يحالفه الحظ بعد، يعيش في منزل والدته عاملة السوبر ماركت، بينما يجد نفسه انتقل إلى منزل جدته “مانغجو” ، المليء بفوضى الأشياء و عاطفة الجدات. “ إم “ ليس مجرد شاب يسعى وراء المال؛ بل هو شخصية مركبة تواجه ضغوطاً عائلية وثقافية، بينما تحاول استيعاب مكانها في تقلبات الحياة، ومع من أن دوافع “ إم “ تبدو أنانية في البداية – وراثة ثروة جدته – إلا أنها تتغير بشكل جذري عندما يبدأ “ إم “ في إدراك أن ثروته الحقيقية قد لا تكون مادية.
أحداث الفيلم تتصاعد مع محاولات “ إم “ للتقرب من جدته من خلال سلسلة من الخطط الغريبة والمضحكة التي تتراوح بين الكوميديا الدافئة والدراما العائلية العميقة. وبينما يحاول تحقيق أهدافه المالية، يجد نفسه في النهاية مرتبطاً بشكل غير متوقع بعائلته، يكتشف من خلالها المعنى الحقيقي للحب والتضحية.
يقدّم الكاتب والمخرج (بات بوننيتيبات) قصة معتادة نوعا ما ومفعمة بالشخصيات المألوفة، لكنه تماشياً مع فكرة الناقد (روجر إيبرت) حول الأفلام باعتبارها “آلات لتوليد التعاطف” تتغلغل أحداث القصة في النفوس دون الحاجة إلى مفاجآت أو مؤثرات بصرية، مع التركيز على سرد مكاني-محلي أصيل.

العائلة أم الثروة
جوهر الفيلم يدور حول فكرة أن العلاقات العائلية تفوق بريق الثروة المادية. استكشاف الفيلم لهوس “ إم “ بالمال يعكس واقعًا اجتماعيًا: كيف يمكن للسعي وراء المال أن يحجب عنّا ما هو أثمن. يتطور هذا الموضوع بشكل ملحوظ، مع نمو “ إم “ كشخصية والدعم الذي اكتسبه من شخصية ابنة عمه التي نجحت في الوصول إلى الثراء بنفس الطريقة، وتَعلًمه تدريجياً أن الحب والذكريات المشتركة هي الثروات الحقيقية التي لا يمكن قياسها بالمال.
الفيلم أيضًا يطرح تعليقات ذكية حول علاقة المرأة بأبنائها و أخوتها والعلاقات بين الأجيال، مع تسليط الضوء على شخصية الجدة “مانغجو” التي تمثل رمزًا للحكمة و الطيبة. هذه الشخصية تكسر الصور النمطية التقليدية المرتبطة بالشيخوخة، لتظهر كقوة دافعة وقائدة للعائلة، تمزج بين الفكاهة والحنكة في مواجهة تحديات الحياة.

التصوير السينمائي وتفاصيل المكان
أحد العناصر البارزة في الفيلم هو أسلوب التصوير السينمائي الذي يعكس حيوية الثقافة التايلاندية، مشاهد السوق الشعبي التايلاندي، بألوانه الصاخبة وأصواته المليئة بالحياة، ومشاهد طقوس التعبد و وداع الموتى البوذية، تخلق تجربة بصرية جذابة تنقل المشاهد مباشرة إلى قلب عالم “ إم “ .كل مشهد تم تصميمه بعناية ليعكس حرارة الروابط العائلية والتوترات الاجتماعية المحيطة بالقصة.
أما الفكاهة، فهي العنصر الذي يمنح الفيلم حيوية خاصة. المشاهد الكوميدية، مثل محاولات “ إم “ لتعليم جدته استخدام التكنولوجيا، تقدم لحظات مرحة وفي ذات الوقت تحمل عمقاً عاطفياً. مشهد بعينه يتفرد بتجسيد هذا التناقض، عندما تصرخ الجدة بعد إحباطها من هاتفها الذكي: “لم أعيش الحرب ليهزمني هاتف!”

الفيلم ينتقد بذكاء نزعة المجتمع الحديث للاهتمام الزائد بالمال والمظاهر والنجاح الفردي، و يذكرنا أن نهتم بكل اللحظات الصغيرة والعلاقات الحقيقية التي تعطي الحياة معناها. شخصية الجدة، بحكمتها تقف كرمز للتجارب التي تتسامى فوق أي مكسب مادي، مما يجعل الفيلم رسالة قوية للعائلات والمجتمعات على حد سواء في زمن لم نعد نرى أفلاماً تهتم بذلك.
بينما تُعرض المشاهد الأخيرة للفيلم وبمرور ” إم ” بجانب الطريق الذي استدعى ذكرى جدته، نرى التحول العاطفي الكبير الذي يمر به “ إم “ وقد وصل إلى ذروته، ومع نهاية الفيلم، يصبح واضحاً أن رحلة “ إم “ نحو الثروة لم تكن نحو المال، بل نحو نضجه كفرد، وتقديره للدروس التي منحته إياها جدته.

