عمر محمد بركات

في عام مزدحم بأفلام الأكشن العملاقة والتجارب السينمائية الغريبة والجريئة، يلفت فيلم كابريني للمخرج (أليخاندرو مونتيفيردي) الانتباه ليس لأنه صاخب أو مبتكر، بل لأنه يعيد إحياء سيرة قديسة منسية بقوة تمتزج بالسكينة و إيمان يصاحبه الثبات. لنقرب الصورة، تخيل أن (إيرين بروكوفيتش) كانت امرأة فاضلة ترتدي زي الراهبات و تتحدث الإيطالية، عندها ربما نقترب قليلاً من فهم شخصية (كريستيانا ديل أنّا) وهي تؤدي دور الأم “فرانسيسكا كابريني” – أول قديسة أمريكية تم ترسيمها من الكنيسة الكاثوليكية، وامرأة أدت رسالتها ولم تسمح لقيود المجتمع أن تعيق طريقها.

فيلم “كابريني” هو سيرة شخصية تاريخية، مكتوبة بحرفية على يد السيناريست (رود بار)، الذي اختار أن يركّز على سنواتها الأولى في الولايات المتحدة، تحديدًا من 1887 إلى 1890، عندما أرسلها البابا (ليو الثالث عشر) رفقة مجموعة من الراهبات لمساعدة المهاجرين الإيطاليين في حي (فايف بوينتس) الفقير جداً في نيويورك، يرافق تلك الرحلة ذكرياتٍ طفولية خلقت دوافع، طرزتها شخصية الأم بروحانية نابعة من قوة إيمانها، يكللها رسائل اجتماعية تنبض بالمعنى وتلامس ذلك الواقع، وبدلاً من سرد حياتها بالكامل، فإن اختيار صناع الفيلم أن يُسلّطوا الضوء على تلك الفترة الحاسمة من تاريخ “كابريني” و “نيويورك”، جعل القصة أقرب للقلب وأكثر تركيزًا دون أن تفقد طابعها الملحمي.

2 2

أداء تمثلي قوي لشخصية تاريخية مؤثرة

الممثلة (كريستيانا ديل أنّا) -التي لا تُعرف كثيرًا خارج إيطاليا- قدمت أداءً رائعًا ومتماسكًا. شخصية “كابريني”، ليس كامرأة ساذجة تخطو أولى خطواتها نحو العظمة، بل امرأةٍ ذكية، حازمة، صبورة، وتعرف جيدًا ما تريد. في كل مشهد تقريبًا، كانت تتعامل مع البيروقراطية والتمييز بصلابة وأسلوبٍ قوي ومباشر. سواءً في مواجهتها مع رئيس الأساقفة “كوريجان” الذي لعب دوره (ديفيد موريس) ببراعة، أو في مواجهتها مع عمدة نيويورك الذي قدّمه جون ليثغو بأسلوب سلطوي وأرستقراطي -وهو شخصية خيالية بالمناسبة-، كانت (ديل أنّا) تظهر بهدوء قوي يعكس إيمانًا صلبًا وإصرارًا على التغيير.

من الناحية الفنية، يتميز الفيلم بجمال بصري واضح. المصوّر (غوركا غوميز أندريو) نقل أجواء (نيويورك) في أواخر القرن التاسع عشر بإضاءة تحاكي ضوء النوافذ في الكاتدرائيات. أسلوبه في التصوير يجمع بين درامية لوحات الرسام الايطالي (كارافاجيو) التي تعتمد على تباين الضوء والظل، وبين اللمسات الواقعية الهادئة التي يشتهر بها مدير التصوير (غوردون ويليس) -الذي كان خلف تصوير العراب بأجزائه- و مع أن ميزانية الفيلم كانت محدودة، نجح (مونتيفيردي) في إعادة بناء العصر من خلال ديكورات واقعية وتصميم بصري يعيد إلى الأذهان أفلامًا مثل “عصابات نيويورك” لـ(سكورسيزي) و “بروكلين” لـ(جون كراولي).

5

مشاهد مؤثرة تذكرنا بالواقعية الايطالية الصادقة

من أبرز مشاهد الفيلم، لحظة غنائية مؤثرة، عندما يغني مجموعة من الأطفال مقطوعة “فا، بنسيرو” -من أوبرا نابوكو لجوزيبي فيردي- لطلب المساعدة من مغني أوبرا مشهور. هذه اللحظة-  التي تبدو كأنها قادمة من أحد أفلام )فيتوريو دي سيكا) أو (جوسيبي تورناتوري)-  تجمع بين العاطفة، والدراما، والإحساس الصادق، وترفع الفيلم من كونه سيرة شخصية دينية إلى عمل إنساني عميق.

بالطبع، لا يخلو الفيلم من بعض الملاحظات. فشخصية كابريني تبدو مثالية جدًا طوال الوقت، وتكرار نمط القصة بين صراع، ثم انتكاسة، ثم انتصار، قد يجعل السرد يبدو مكررًا بعض الشيء، فإن هذا التكرار في الأحداث يجعل المشاهد يشعر أحيانًا بطول الفيلم أكثر مما ينبغي. كما أن بعض الخطوط الجانبية في القصة، مثل الطفل المشرد اليتيم “باولو” و  المرأة “فيتوريا” التي كانت تعمل في الدعارة ثم تتحول إلى شخصية رمزية قريبة من مريم المجدلية، بالرغم من تأثيرها إلا أنها تميل إلى الميلودراما وتأتي من قوالب قصصية مألوفة، أيضاً هناك بعض الحوارات التي تبدو خطابية أو مباشرة أكثر من اللازم، وكأن الشخصيات تنطق برسائل وليس مشاعر.

3 4

رغم عدم الاكتمال عند التدقيق من بعض الزوايا، يبقى “كابريني” فيلمًا مؤثرًا ومتقن الصنع، يجمع بين ثقل الدراما التاريخية وحساسية القضايا الاجتماعية، (مونتيفيردي) –مخرج فيلم “صوت الحرية” 2023- صنع الفيلم بعين ترى في الماضي بذور المستقبل، وبحسّ فني يربط التاريخ بقضايا حاضرة لا تزال تنبض بالحياة، و(كريستيانا ديل أنّا) أدت دورها كما لو أنها تدرك أنها لا تجسد شخصية فقط، بل تجسد رسالة وقضية انسانية مستمرة، ويحسب لـلفيلم أنه لا يحاول أن يصدم المشاهد، بل يطرح أسئلة أعمق وأبقى: كيف نبني مدينة عادلة؟ من يحق له أن يكون من مؤسسيها؟ ما الثمن الذي يدفعه أصحاب المبادئ حين يصرّون على التغيير؟

البعد الانساني في معاناة المهاجرين

كما أن هناك بُعد خاص يمكن أن يلمسه المشاهد العربي، فالمعاناة التي يعيشها المهاجرون الايطاليون في الفيلم: الهروب من الفقر والحرب والحرمان، ليواجهوا التهميش في بلد من المفترض أن يكون “أرض الفرص” والعدالة و المساواة، تعكس هذه المأساة واقعًا عالميًا نراه اليوم في كل مكان. قصة “كابريني” هي أيضًا عن التمسك بالهوية، والبحث عن مكان للانتماء رغم كل العوائق.

4 6

الممثل القدير (جون ليثغو) الذي جسد شخصية العمدة “غولد”، صرّح بأن قبوله للدور جاء بسبب إعجابه العميق بالنص. يقول: “من الرائع أن ترى شخصية واحدة من التاريخ، شخصًا حقيقيًا، تقف في وجه التحديات دون أن تتراجع، وتُحدث تغييرًا كبيرًا لأنها ببساطة على حق. هذا ما رأيناه مع شخصيات مثل مارتن لوثر كينغ. ومع ذلك، لا يعرف كثيرون شيئًا عن الأم كابريني.”

كلمات (ليثغو ) تعكس جوهر الفيلم؛ فهو لا يقدم فقط قصة حياة امرأة فاضلة ومناضلة، بل يحتفي بامرأة غيرت مجرى التاريخ من خلال الإصرار والعمل الدؤوب والنية الصافية. في نظر “ليثغو” ونظر الكثير ممن يعرفون مآثر “كابريني” فهي تنتمي إلى صفوف العظماء الذين لم يرفعوا صوتهم فقط، بل غيّروا الواقع من جذوره، بعيدا عن الشهرة و الأضواء.