عمر محمد بركات

ماذا يحدث عندما تقف ديمي مور، النجمة الأيقونية من عصر هوليوود الذهبي، في مواجهة النسخة الأصغر والأكثر بريقًا من نفسها؟ في فيلم “المادة 2024” – والذي حاز على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان 2024- لا تواجه (مور) مجرد مرور الزمن؛ بل تخوض صراعًا مع صناعة كانت ترفعها على عرش الشهرة، والآن تتخلى عنها وكأنها متاعٌ قديم انتهت صلاحيته. تُقدم لنا المخرجة الفرنسية “كورالي فارغي” فيلمًا مُشبعًا بالرعب الجسدي والألوان المتوهجة، يتسم بسخرية لاذعة تكشف عن هوس هوليوود بالكمال والشباب.

هنا، الفوضى حتمية ولا مفر منها. في عالم يمزج بين كابوسية “بلاك ميرور” وأجواء “كاري” وسوداوية “البجعة السوداء” وفلسفة الهوس في “قداس من أجل حلم” وغرائبيات (كروننبيرغ)، يلتصق هذا الفيلم بذاكرتك كما يلتصق الطعم غير المستساغ لدواء شديد المرارة أو عملية تجميلية فاشلة تركت ندوباً لا يمكنك إصلاحها.

1 2

ديمي مور: مرآةُ لقسوةِ الشهرة

في قلب هذه الرحلة الكابوسية نرى شخصية “إليزابيث سباركل”-التي تؤديها (مور)- الممثلة الحائزة على الأوسكار والتي كانت مشهورة في يوم من الأيام، والآن تجد نفسها مضطرة لتقديم برامج الأيروبيكس على التلفاز. التشابه بين مسيرة “إليزابيث” و(مور) في هوليوود لا يمكن تجاهله، وهو ما يضفي على أدائها قوة وحميمية. “إليزابيث” تجسد الهشاشة العاطفية، فهي الملكة السابقة التي تخلت عنها هوليوود، التي أصبحت تحتفي دوما بالشباب على حساب الخبرة. بالنسبة لـ(مور)، يبدو أن “المادة” ليس مجرد فيلم، بل هو قصة شخصية تحمل معها مرارة التحدي واليأس والغضب و الخوف يعيد للمُشاهد السينمائي ذكرى أداء (جلوريا سوانسون) الخالد في “شارع الغروب Sunset Boulevard”.

يبدأ الفيلم مع دعوة “إليزابيث” لتناول غداء مع المنتج السينمائي المثير للاشمئزاز “هارفي” -الذي يلعب دوره بإتقان (دينيس كويد)- بينما يتلذذ بأكل الجمبري، يخبرها أن وقتها في عالم الشهرة قد انتهى لأنها تجاوزت الخمسين. في هذا المشهد الممزوج بالكوميديا السوداء واللمسات المزعجة، يبدو المغزى هنا واضحاً؛ التقدم في العمر في هذا العالم المادي هو تاريخ انتهاء الصلاحية، والنساء مثل “إليزابيث” يُستغنى عنهن بلا رحمة.

2 1

الغوص في عالم الرعب الجسدي

ثم تظهر “المادة” -علاج غامض لمكافحة الشيخوخة- عن طريق غريب يعِد بتحويل “إليزابيث” إلى نسخة أصغر و أجمل من نفسها. دون تفكير طويل، تقرر أن تخوض التجربة، لتبدأ رحلة كابوسية تذكرنا بأفضل لحظات رعب الجسد في السينما. “إليزابيث” الجديدة، التي تؤدي دورها (مارغريت كوالي) ببراعة، تنبثق من جسدها القديم في مشاهد تمزج بين الرعب والابتكار. مشهد التحول بشع وجميل في آن واحد، يذكرنا بروائع سابقة مثل فيلم “الذبابة” و ولادة نيو في “الماتريكس”.

جوهريًا، يرتكز الفيلم على هذا التحول وتبادل الأدوار، حيث يجب على إليزابيث ونسختها الشابة “سو” تبديل الوعي كل سبعة أيام. ورغم أن الفكرة تزخر بإمكانيات نفسية وفلسفية، إلا أن الفيلم لا يتعمق بما يكفي في تعقيدات الهوية والذات الممزقة، بل يفضل الميل إلى سخرية مباشرة من الفكرة المشوهة بأن النساء مجبرات على تدمير أنفسهن للحفاظ على مكانتهن في المجتمع.

3

الغوص في عالم الرعب الجسدي

بصريًا، الفيلم أشبه بحلم مضطرب، حيث يغمرنا المصور السينمائي (بنجامين كراكون) في ألوان زاهية تجعل الصالات والاستوديوهات تبدو كعالم سريالي كابوسي يستوحي من لمسات (ديفيد لينش) الألوان المشبعة والمظهر اللامع للفيلم تشكلان تجسيدًا صارخًا لزيف هوليوود. يمتد هذا الأسلوب البارز إلى الشخصيات كذلك، حيث يظهر (دينيس كويد) كصورة كاريكاتورية للمنتج الدنيء. الفيلم يتلذذ في مبالغته النقدية، مع ممرات تستحضر أجواء “ذا شاينينغ”، وتوترات بصرية تذكر بـ “قتلة مولودون بالفطرة”، ومشاهد دموية تتفوق على “كاري”.

لكن رغم بريقه البصري، يفتقد الفيلم ميزة التنوع في رسائله. كما أشار بعض النقاد، وأقتبس هناك من مقال في “شيكاجو سن تايمز” :

“يفرض فيلم ‘المادة’ رسالته بشكل متوالِ وقاسٍ دون أن يتعمق حقاً في أطروحته الأساسية: وهي أن هوس المجتمع بالمظاهر الجسدية يشوه إحساسنا الجمعي بقيمة الذات الانسانية.”

 يعتمد الفيلم على فكرته الأساسية -هوس هوليوود بالجمال الجسدي- دون تقديم رؤى جديدة. ورغم الأداء القوي لـ(مور) و(كوالي) يبدو الفيلم في حقيقته متمحوراً حول صوره الجريئة والمبالغ فيها أكثر من التعمق في أبعاده النفسية.

4 2

مرآة هوليوود السوداء

“المادة” لا يقدم حكاية مأخوذة من أحداث واقعية، فهو لا يحتاج لذلك. في عصر تُمارَس فيه ضغوط هائلة على الممثلين والمشاهير عموما للحفاظ على مظهرهم الشبابي، يغدو تناول الفيلم لموضوعة هوس الجمال قريبًا من الواقع -لكن بشكل مزعج ومفتعل أحياناً- محاولا ايصال فكرة أن التحول الجسدي الذي تخوضه البطلة يعكس الضغوط الحقيقية التي تتعرض لها النساء بشكل خاص في هوليوود للحفاظ على شبابهن بأي ثمن.

(ديمي) في هيئة “إليزابيث”، تُجسد التناقض بين القوة والهشاشة. إنها تُمثل كل ممثلة تم التخلي عنها عندما تجاوزت عتبة سنٍ معينة، و(مور) تعطي للدور صدقًا يكشف بوضوح عن قسوة هوليود. بينما يتفكك جسدها وتنهار هويتها، نتذكر أن شغف هوليوود بالشباب و الحيوية لا يستثني أحداً، والعواقب على من يفشل في مواكبته قد تكون مدمرة.

لكن مع مدة عرض تتجاوز الساعتين، قد يجد البعض أن الفيلم يبالغ في طوله. بعض المشاهد، خاصةً تلك الدموية والغرائبية، كان من الممكن اختصارها دون الإضرار برسالة الفيلم. تتكرر السخرية التصويرية بنفس النغمة، ما قد يُنفر الجمهور الذي يبحث عن نقد أعمق للشهرة والجمال.

the substance wallpaper 3

رحلة فوضوية ولكن مثيرة

رغم ماذكرنا، يبقى “المادة” تجربة سينمائية مشوقة، مزيجٌ من الرعب والفوضى، وتصوير جريء ناقد لمعايير الجمال السامة في هوليوود. مع أداء (مور) القوي، ينغمس المُشاهد في دوامة من الهوس المجنون والعري، حيث تصبح رحلتها مرآة لهوس المجتمعات المترفة بشكل عام بالجمال والشباب والجسد . (فارغي) في فيلم المادة قد لا تقدم رؤى جديدة، لكنها تقدم انعكاسًا مزعجًا لهوسنا الجماعي، وفي بعض الأحيان، يكون هذا الانعكاس لوحده – مرعبًا بما يكفي.

في النهاية يعود إلى الفيلم إلى حيث بدأ ، يتركك الفيلم مشوشًا، منهكًا، مع شعور داخلي بالغثيان، وهو بالضبط ما أراد الفيلم تحقيقه. مثل مرآة متصدعة، يجبرنا “المادة” على مواجهة الوجه القبيح والمشوه لعالمنا، حتى لو كنا نفضل تجاهله.