في أعالي الهملايا، حيث الهواء النقي، والحياة تمضي بإيقاع مُتأني، ينطلق راهب شاب في مهمة غريبة: عليه أن يعثر على بندقيتين قبل اكتمال القمر، من أجل القتال؟ أم الثورة… أم لأسباب أكثر غموضًا ورمزية. هكذا تبدأ الرحلة الغرائبية الممتعة في فيلم الراهب والبندقية، أحدث أعمال المخرج البوتاني (باوو تشوينينغ دورجي) الذي يعود بعد فيلمه الأول اللطيف “لونانا: ثور في المدرسة” المرشح للأوسكار عام 2022 لأفضل فيلم أجنبي، ليُواصل الغوص في حكايات وطن يتأرجح بين قداسة الماضي وحداثة الحاضر.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان تيلورايد السينمائي، ثم توّج بجوائز في عدة مهرجانات، منها جائزة الجمهور في مهرجان فانكوفر ومهرجان مومباي، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان روما.

 من خلال هذا العمل، يواصل (دورجي) تأملاته الساخرة، دون أن يفقد دفء المشاعر، في بلد يقف عند تخوم تحولات كبرى: من عزلة روحية إلى انفتاح مفروض بإيقاع عالمي.

2 1

قرية صغيرة، انتخابات… والبحث عن بندقية

تدور أحداث الفيلم في عام 2008، وهو عام مفصلي في تاريخ (مملكة بوتان)، حيث شهدت البلاد أول انتخابات ديمقراطية في تاريخها. في قرية جبلية تُدعى “أورا”، تصل الديمقراطية لا على ظهر دبابة، ولا عبر انتفاضة، بل محمولة في صناديق بلاستيكية وأوراق اقتراع ! يُوفد موظفون حكوميون لتعليم القرويين طريقة التصويت: لا لمن سوف يُصوّتون ، بل فقط كيف يملأون الورقة ويضعونها في الصندوق، أو ما يمكن تسميته “الديمقراطية للمبتدئين” على الطريقة البوتانية.

لكن الديمقراطية -كما يلمّح الفيلم بسخرية ذكية- ليست نظام تشغيل يُركّب ويبدأ العمل فورًا كما يراد له، فسكان القرية، المخلصون لملكهم والمؤمنون بتعاليم “بوذا”، يتساءلون بدهشة: ما الجدوى من اختيار مرشحَين لا يعرفونهم ألوان ثيابهم مختلفة، بينما الملك يقود البلاد بحكمة لقرون طويلة؟

يدخل المشهد رجل أمريكي غريب “رونالد كولمان”يجمع الأسلحة القديمة، يحمل اسمًا رمزياً قد يكون مقصوداً كتحية إلى الممثل (رونالد كولمان) الذي كان مشهورا في الثلاثينات وكان بطل فيلم “أُفق ضائع Lost Horizon” الذي تدور أحداثه أيضًا في يوتوبيا “هيملاياوية” شبيهة بـ (بوتان)، يسعى (كولمان) لحيازة بندقية نادرة تعود للحرب الأهلية الأمريكية بأي ثمن، وقد أراد القدر أن تستقر في حوزة راهب بوتاني.

لكن هذا الراهب لا يريد مالًا. إذا أراد “كولمان” البندقية، فعليه أن يجلب شيئًا قبل ليلة اكتمال القمر: رشاشين من طراز AK-47 ، الطراز الذي شاهده الراهب صدفة مع سكان القرية لأول مرة عبر شاشة التلفاز -الذي وصل حديثاً- في فيلم بوند Quantum of Solace  . تُرى هل يستطيع “كولمان” ورفيقه البوتاني أن ينفذ الصفقة مع الراهب أم أنه سيقع في ورطة كبيرة؟

3 6

كوميديا ساخرة… وحكمة رمزية هادئة

فيلم “الراهب والبندقية” هو كوميديا، نعم — لكن من طراز نادر: ساخرة و ناعمة في نفس الوقت. راهب يطلب رشاشات، قرويون يشاهدون جيمس بوند وهو يغوي النساء ويقنص الأعداء، بينما لا يعرفون شيئاً عن آلية التصويت ولماذا ينتخبون أصلاً. الفيلم يُعرّي -بسلاسة فلسفية- مفارقات غرس مفاهيم غربية في تربة شرقية لم تُمهّد لها لا وجدانيًا ولا ثقافياً.

يكتب أحد نقاد (IndieWire) عن الفيلم قائلاً :”تبدو القصة وكأنها تنجرف أحيانًا، لأن شخصياتها تتفاعل مع مفاهيم لم تُنقش في وعيها عبر قرون كما في وعينا نحن.” وهذه بالضبط لبّ رسالة الفيلم: الصدام الثقافي، حين تُلقى مفاهيم مثل الديمقراطية، و الحداثة، والعولمة، في حضن مجتمعاتٍ بسيطة وراضية أن تعيش على تقاليدها التاريخية ويٌفرض عليها التغيير.

في هذا العالم، الديمقراطية ليست حلمًا ورديًا، بل طقس إداري غامض. والسلاح ليس رمزًا للتمرد أو القوة، بل قطعة تكميلية في أساطير غريبة. أما الراهب، بحكمته العتيقة وسلطته الروحية، فلا يُثير استغراب قومه حين يطلب بندقية، ذلك لأن العقل هنا لا يفرض نفسه على الإيمان، بل يذوب فيه.

4 5

صوت هادئ… لكن صداه عميق

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس فكرته الأصلية فحسب، بل الحب والاحترام الذي يصبّه (دورجي) في بناء عالمه. عدسة المصوّر (جيمي تنزينغ) تتعامل مع الطبيعة البوتانية كما لو كانت كائنًا حيًا، ترصد سكونها بخشوع، وتترك عبثية الحدث تتسلل إليها كما يتسلل الضوء في شقوق المنازل و فتحات السحاب.

الأداءات تنبض بالصدق والبساطة، (تاندين وانغتشوك) يمنح شخصية “تاشي” — الراهب التلميذ — طاقة هادئة لا تخلو من الكاريزما، بينما يُضفي سيده اللاما -وهو لاما حقيقي في الواقع- هالة من الوقار الطبيعي على شخصية الراهب المعلم. الطاقم بمعظمه من غير المحترفين حتى “كولمان” الأمريكي، مما يمنح الفيلم واقعية خام، تجعل سخريته أكثر أُلفةً، وصدقًا.

نص (دورجي) يحمل روح الدعابة الجافة Dry Humer لكن المليئة بالتأمل. شخصياته ليست كاريكاتورية، بل نماذج لأسئلة أوسع: ما معنى الهوية؟ ما هو ثمن التطور؟ وهل يمكن للتقاليد أن تصمد دون أن تتحطم؟. السخرية هنا ليست خيانة للطرفين، بل تعبير عن حب عميق للمكان، وعن رغبة في الفهم.

نعم هو فيلم ممتاز، لكن ليس معصومًا من الزلل. إيقاعه يتراخى أحيانًا، خصوصًا في منتصفه، حين تتداخل خطوط السرد بين الراهب، والأمريكي، و الحكومة و أهل القرية. بعض الرمزية قد تبدو عصيّة على الفهم لغير المطلعين على الثقافة البوتانية، مما قد يُضعف من أثر بعض المشاهد التي كان يمكن أن تُعاد صياغتها بمزيد من الوضوح أو البساطة، أيضا قد يرى البعض أن الاعتماد على ممثلين غير محترفين يخفف من الأثر العاطفي.

هذه ليست عيوبًا فادحة، لكنها تُخفف من وقع بعض اللحظات التي كان يمكن لو تم انجازها بشكل أفضل لوصل الفيلم لجمهور أكبر.

5 3

تأمل أخير… من سيفوز بالبندقية؟

في عمله الروائي الثاني، يُنجز (دورجي) فيلمًا بوتانيًا في روحه، وعالميًا في صداه. مشهدٌ ختامي: راهب وقور يقف تحت ضوء القمر حاملاً بندقية في طقوس مُنتظرة يشهدها الجميع، مشهد يبقى في الذاكرة كرمز لعالم يعيش مخاض التغيّر، أما “الأمريكي” الذي يسعى خلف البندقية يحصل على شيء آخر لم يكن بالحسبان!

في النهاية، الأمر لا يتعلق بالبندقية… ولا حتى بالراهب. بل بالمسافة بينهما، وبما نختار أن نحمله معنا حين نواجه العالم: هل نتحلى الحكمة؟ أم نلهث خلف السلاح؟… أم ندمج الاثنين معاً