عمر محمد بركات
بعض الأفلام تأتي بلا توقعات، لا تنتظر منه سوى وقتٍ ممتع وهادئ، ليفاجِئك بتجربة مجنونة ستظل عالقة في ذهنك لفترة طويلة. فيلم (الحبيبة الغريبة Strange Darling) 2024 هو واحد من تلك الأفلام. من تأليف وإخراج (جيه تي مولنر) في ثاني أفلامه الطويلة، يتنقل الفيلم بين الإثارة النفسية والدراما العاطفية، ليأسر انتباهك من خلال فكرة غامضة وسيناريو غير تقليدي، ثم يدخلك في دوامة بعد سلسلة من التحولات الدرامية التي ستجعلك في حالة من الدوار. الفيلم من بطولة (ويلا فيتزجيرالد) و(كايل جالنر)، اللذان يقدمان أداءً ممتازاً يرفع من جودة الفيلم في أجواء كابوسية و كأنه خليط من عوالم (ديفيد لينش) و (ديفيد فينشر)، بجرعة زائدة من الجنون والقسوة.

تبدأ أحداث الفيلم بشكل طبيعي، حيث ترافق “السيدة” (ويلا فيتزجيرالد) “الشيطان” (كايل جالنر) إلى نُزل صغير على جانب الطريق، في البداية يبدو أنه مجرد لقاء حميمي عابر وحذر نوعاً ما، ولكن لاشيء يبدو كما نظن في هذا الفيلم، ولا شيء يسير ببساطة. تتطور الأحداث إلى مطاردة دموية، تليها سلسلة من الفصول مرتبة بشكل يبدو عشوائياً لأول وهلة، ويتكشف لنا المزيد عن شخصية “السيدة” وخفايا الصراع الدموي المتصاعد.
الفيلم يتكون من ستة فصول، كل منها ينقب أعمق في الظلام الذي يخبيء حقيقة الشخصيات ودوافعها، صحيح أن العنوان يوحي بقصة حب، لكن سرعان ما يَظهر أن هذه العلاقة، بكل فوضويتها، تدور حول البقاء على قيد الحياة أكثر من كونها قصة رومانسية. هناك شيء مأساوي للغاية في شخصيات الفيلم، دوافعهم المعقدة وغموضهم الأخلاقي يجعلهم مثيرين للاهتمام والإنزعاج والرعب في آن معاً.
الفيلم يطرح نقدًا حادًا لأطماع النفس البشرية ومخاطر الرغبة، ويوهمنا متعمداً بطبيعة الأدوار، ليقلب الطاولة فجأة ويُقدم صورة جريئة وصادمة حول الشر والصراع الداخلي الذي يُنتج شراً أكثر بشاعة؛ هو فيلم يتلاعب بتقاليد السينما ويستمتع بتوجيه توقعات الجمهور إلى مسارات مغايرة؛ الهيكل غير الخطي للفيلم، يخلق جوًا من عدم اليقين الذي يعكس حالة الجنون الاجتماعي كإسقاط رمزي على المجتمع الغربي أو الأمريكي على الأقل، إن الفيلم لا يقتصر على اللعب بمشاعر الجمهور فحسب، بل يطرح نقداً لموضوعات السيطرة والرغبة وفوضى الأخلاق.

إخراج (مولنر) بجانب التصوير الفني المتميز للممثل المعروف (جيوفاني ريبيسي) في تجربة أولى مًفاجئة و مُبَشرة، يمنح الفيلم طابعًا بصريًا قويًا، حيث تم تصوير الدماء والعنف بألوان حية، تكاد تكون شعرية. وعلى الرغم من العنف المفرط، هناك جمال غير تقليدي في تصوير تلك اللحظات العنيفة خاصة تلك التي تحدث داخل المنزل الريفي، وهو التناقض الذي يجعل الفيلم مذهل بصريًا، ومؤلم عاطفيًا في ذاتِ الوقت؛ في بعض الأحيان، يبدو وكأنك تشاهد كابوسًا سرياليًا، حيث تتوالى الإثارة على حساب راحتك العقلية.
أداء جنوني مُتقن في عالم من الفوضى
إذا كان هناك شيءٌ نجح فيه فيلم “الحبيبة الغريبة” حقاً، فهو اختيار الممثلين. (ويلا فيتزجيرالد) التي اشتهرت مؤخرًا بدور “روسكو” في أول جزء من مسلسل “ريشر” وقبلها في مسلسل الرعب “سكريم”، تُقدم هنا أداءً عالي التوتر في دور “السيدة”. اجتهادها في اتقان دورها يتضح جلياً في قدرتها على أن تُظهر الجانب القوي والضعيف في الشخصية بنفس الوقت، مما يعكس تعقيدات امرأة تلعب دور الضحية والجلاد في آن واحد في لعبة قط وفأر مليئة بالتحولات: المشاهد التي تقدم فيها أداءً منفردًا – خاصة المشهد حين تواجه مخاوفها وجنونها – تُبرز بوضوح الطبقات المتعددة في شخصيتها. أداؤها هو ركيزة الفيلم، مما يجعل رحلتها غير متزنة شعورياً، لكنها مُقنعة، تَجعلك تتقبل الفيلم حين ينزلِق إلى مُستنقع الجنون.
أما (كايل جالنر) في دور “الشيطان”، فيُقدم أداءً غامضًا وجذابًا، حيث يختار تقديم شخصية تتسم بالبرود والغموض والتردد، ما يجعلك تتساءل عن نواياه الحقيقية طوال الوقت. وجهه كالتمثال تدب فيها الروح فينفجر غضباً. هذا النوع من الأداء هو الذي يجعل المشاهدين في حالة ترقب دائم حتى اللحظة الأخيرة من الفيلم – تمامًا كما هو الحال مع تطور الأحداث؛ الكيمياء بين (فيتزجيرالد) و(جالنر) واضحة، عن نفسي أتمنى رؤيتهما في فيلم آخر، حبذا لو كان أقل عنفاً.
أيضاً الطاقم المساعد مثل الزوجين، (إد بيغلي جونيور) و(باربرا هيرشي)، أضاف بعدًا آخر للفيلم، في مشهد غريب وهاديء يأتي كوقت مستقطع، يُحَضر الزوج وجبة فطور غريبة تجمع بين اللذة والاشمئزاز – كما هو حال الفيلم – هذه اللحظات الملونة و المليئة بالدهون والزبدة، السكر والكريمة، يجتاحها إعصار غير متوقع من الرعب والعنف ، عن نفسي – أرى في هذا الفصل رمزاً مقصوداً على الأغلب من صانع الفيلم لحالة الفوضى والانفصال التي يعنيها الفرد في عالم يعلي من شأن اللذة الحسية على حساب الروح.

الجمال السينمائي وراء العنف
أحد أكثر الجوانب لفتًا في “الحبيبة الغريبة” هو أسلوبه البصري الجذاب؛ تم تصوير الفيلم باستخدام شريط فيلم 35 مم، مما يمنحه طابعًا قديمًا رومانسياً يتناقض بشكل لافت مع العنف الدموي الذي يظهر على الشاشة. كما سبق و أشرت إلى أن تصوير (جيوفاني ريبيسي) الذي يتميز بكادرات غير تقليدية وزوايا مبتكرة حولت حتى أكثر اللحظات دموية إلى مشاهد ذات طابع شعري، كما أن التباين بين الضوء والظلام الذي يظهر على وجوه الممثلين في العديد من اللقطات يعزز شعور الغموض و الشر، والاهتمام الكبير بتفاصيل الانتاج في كل لقطة رفعت من مستوى المشهد السينمائي.
رغم اتفاق المشاهدين والنقاد على أن هيكل السرد الغير الخطي والقليل من السيريالية اختيار جريء و متميز ، إلا أنه قد يكون مزعجًا في بعض الأحيان، فالتغيرات الغير متوالية بين الأزمنة والأماكن المختلفة، رغم فعاليتها في بناء التوتر والفضول، قد تؤثر على الإيقاع، مما يجعل بعض اللحظات تبدو غير مترابطة وتحتاج صبراً و تركيزاً لا تتطلبه غالبية أفلام الرعب التقليدية.
أما عن العنف في الفيلم، فهو بمثابة تحدي للبعض؛ القتل الوحشي، إلى جانب الإيقاع غير المستقر؛ قد يجعل تجربة المشاهدة مربكة للبعض، ورغم أن هذا كان اختيارًا متعمدًا لخلق رد فعل حسي قوي لدى الجمهور، إلا أنه قد يدفع بعض المشاهدين إلى الإنزعاج والشعور بأن صناع الفيلم قد خدعوهم، رغم استمتاعهم.
أعجبني وصف أحد النقاد لمشاهدة الفيلم قائلاً: “التوتر يتجاوز ما يستطيع حتى الشخصيات تحمله”. هذه الجملة تلخص بدقة كيف أن الفيلم في بعض الأحيان يبدو وكأنه يتجاوز حدود الصبر لدى شخصياته وجمهوره على حد سواء، ليمزج بين متعة الرعب و إرهاق الرحلة، باختصار: الحبيبة الغريبة ليس للقلوب الضعيفة.

