عمر محمد بركات

بعيداً عن “ديزني” الغرب و “جيبلي” الشرق ، ومن دولة (لاتفيا) الصغيرة يبرز الفيلم الرسومي تدفق” (Flow)  كعمل فني مُبهر يتجاوز حدود ما تعودنا عليه في أفلام الرسوم المتحركة. هذا الفيلم، الذي أخرجه الرسام اللاتفي (جينتس زيلبالوديس) بعد عدة أفلام قصيرة، يقدم تجربة بصرية لا مكان فيها للكلمات، بل العواطف والمشاعر والأفكار، التي تثيرها المناظر الطبيعية وأبطال الغابة بتنوعهم و براءتهم. يدعونا الفيلم إلى عالم تتراقص فيه إيقاعات الطبيعة، حيث تبدأ رحلة مجموعة من الحيوانات المتنافرة نوعياً، في مغامرة لا تقتصر على البقاء على قيد الحياة فحسب، بل هي رحلة لاكتشاف الذات ومعنى الانتماء .

2 2

ابداع صامت: شعر بصري أكبر من الكلام

يبدأ الفيلم مع قطة صغيرة ذات فرو رمادي داكن، تتنقل عبر منظر طبيعي غارق في الخضرة، محاط بالغابات الكثيفة والجبال الشاهقة، وتَظهر أطلالٌ من حضارة سابقة -يفترض أنها بشرية – كتماثيل خشبية وصخرية ضخمة للقطط وورشة نجارة مهجورة ومنزل كبير، مما يلمِح إلى حياة بائدة كانت هنا. وفي لحظة مفاجئة، يغمر تسونامي هائل هذا المشهد الهادئ، لتُغرقه أمواج غامرة تُحيلنا ضمنياً و ظاهرياً إلى رمزية الفناء في “طوفان نوح”. تبحث القطة عن ملاذِ على قاربٍ خشبي، لتلتقي بعد ذلك بمجموعة غير متوقعة من الحيوانات: خنزير ماءٍ مشاكس، وليمورٌ مهووس بالتحف الصغيرة، وكلب “جولدن ريتريفر” ساذج ومتفائل، و طائر سكرتير رشيق وشجاع (يسمى صقر الجديان) ، ينطلق هذا الفريق نحو أهداف بعيدة في الأفق المجهول، وسط مخاطر وتحديات الطبيعة الغاضبة، حيث يبني كلٌ منهم روابط عميقة مع الآخر.

العمل الفني في “تدفق” يلامس الخيال، حيث استخدم (زيلبالوديس) تقنيات الرسوم ثلاثية الأبعاد لخلق عالم يؤجج الخيال بينما يظل المشهد منطقياً. قد تذكرنا المناظر الطبيعية للفيلم بألعاب الفيديو القديمة حيث تظهر المعابد القديمة، والأبراج الحجرية الضخمة، والأعمدة المدمرة، ورغم أن الحيوانات في الفيلم ليست مرسومة بتفاصيل فائقة الدقة كما تعودنا من بيكسار و ديزني، إلا أن طريقة الرسم هذه لها سحرها الخاص تتيح للمشاهدين التفاعل مع القصة بعيدًا عن أي مشتتات بصرية أوكلامية وهذا من أبرز ما يميز هذا الفيلم ، قدرته الفائقة على نقل معانٍ عميقة من خلال الصمت وبريق العيون، حيث يعتمد الفيلم بشكل كلي على السرد البصري. من خلال النظرات والتفاعلات والحركات، تنتقل الرسائل والمشاعر بدون الحاجة إلى كلمات.

هذا الأسلوب يمنح المشاهدين حرية تفسير الأحداث على طريقتهم الخاصة، مما يجعل القصة تلامس دواخلنا و تتشربها قلوبنا مثل حكاية جدة حنونة في ليلة شتاء. وهنا أستشهد بجملة من مقال في بوسطن غلوب: “زيلبالوديس لا يقدم إجابات مباشرة، بل يتيح للجمهور اكتشاف معاني الفيلم بأنفسهم أثناء متابعة القصة.”

3 2

لحظات من السحر: سمفونية الأفكار و الرموز

وراء هذا الفيلم أو المغامرة، تختبئ رسالة عميقة كأنها قصة ضائعة من حكايات (ايسوب) الحكيم، تتناول مواضيع بيئية، و أخلاقية، وروحية، وفلسفية، انتقي منها ما يحلو لك.  فالغابة التي تغمرها المياه بسرعة قد تكون رمزًا للتغير المناخي أو العقوبة الإلهية، مما يدفعنا للتفكير في تأثير أفعال البشر على الطبيعة. الحيوانات التي تبدو غريبة عن بعضها البعض في البداية، تجد طريقها للتعاون والتعايش، مما يعكس أهمية التعاون و العمل الجماعي في مواجهة الصعاب. أما القطة التي تبدأ رحلتها كـكائن متوحد، يعشق ذاته بطبيعته (مثل الانسان إن جاز التشبيه)، لتتحول إلى قائدة شجاعة، فهي رمز للتحول الداخلي والنضوج الذي يمر به الجميع في مراحل حياتهم.

أيضاً هناك العديد من المشاهد الفردية  التي تتسم بعمق عاطفي ورمزية قوية. من أبرز هذه اللحظات، انعكاس وجه القطة في زجاج النافذة في البداية، والذي يمثل لحظة تأمل تُمهّد لمشهد انعكاس المجموعة في المياه آخر الفيلم. كما أن منظر مجموعة الحيوانات -على اختلاف أنواعها- على متن القارب يشكل رمزًا للتناغم بين الشخصيات المختلفة، حيث يتعاون كل منها لتحقيق هدف مشترك. أما المشهد الذي يواجه فيه طائر السكرتير قبيلته ونبذهم له، فيحمل دلالات عن الصراع ضد المجتمع والدفاع عن المبادئ في وجه التحديات ويتعاظم رمز الطائر في النهاية ليذكرنا بثنائية الصُعود – المُخَلص. هذه اللحظات تُضفي على الفيلم بُعدًا فلسفيًا عميقًا يرفع من قيمته الفنية.

و أكثر ما دعم السرد البصري هو الموسيقى الفاتنة والتي تجمع بين الإيقاع الكلاسيكي واللحن الملحمي من تأليف (زيلبالوديس) و(ريحاردز زالوبي). الموسيقى تتناغم بسلاسة مع الأحداث، مُعزّزة لحظات التوتر والفرح والتأمل وتصل ذروة التناغم في مشاهد النهاية -خاصة مشهد دخول السفينة للمدينة الأثرية- كما أن التصميم الصوتي المبدع، الذي يعتمد على أصوات الطبيعة المحيطة، يغمر المشاهدين في أجواء الفيلم-المكان، مما ينفي شعور الفراغ الذي كان يمكن أن يسببه غياب الحوار، بل يتجلى كاختيار فني مدروس يعمّق التجربة السينمائية.

4 1

جمال يعلو على النقد

لقد حظي الفيلم  بتقدير واسع على مستوى العالم، حيث تم ترشيحه ليكون الفيلم الرسمي لِ(لاتفيا) في جوائز الأوسكار 2025 في فئة أفضل فيلم دولي، كما حصل على ترشيح أفضل فيلم رسوم متحركة. إضافة إلى ذلك، فاز الفيلم بجائزة (الغولدن غلوب) لأفضل فيلم رسوم متحركة، مما يعكس جاذبيته العالمية والاعتراف الفني به من قبل صناعة السينما.

على الرغم من التقدير الكبيروالمُستحق الذي ناله الفيلم، إلا أن بعض المشاهدين لم يجذبهم الغموض في غياب الحوار، حيث يتطلب منهم تركيزًا أعمق لفهم الرسالة. بالإضافة إلى أن الإيقاع الانسيابي -البطيء في نظر البعض- قد لا يناسب أولئك الذين يفضلون الوتيرة السريعة للأفلام التقليدية. ولكن هذه العوامل ذاتها هي جزء من الأسلوب الفريد الذي اعتمده صناعُ الفيلم، وهي في النهاية تكاملت لتشكل روح الفيلم التأملية.

 نعم، يتجاوز الفيلم الأنماط التقليدية للسرد، من خلال قصته الصامتة، وجماله البصري، وعمق مواضيعه. لكنه بالتأكيد يُقدم تجربة فنية تأملية ناجحة، تتناغم مع قلوب و أرواح المشاهدين على مستويات متعددة. يُعتبر هذا الفيلم دعوة للتأمل في العلاقات، وعظمة الطبيعة، واكتشاف المعنى الوجودي الأسمى.

 مما لا شك فيه، أن “تدفق” قد حجز -بكل انسيابية- مكانةً متقدمة في صفوف أفلام الرسوم و السينما بشكل عام دون أن ينطق بكلمة واحدة.