في سياق أعمال الثنائي الإيراني “مريم مقدم و”بهتاش صناعيها” السابقة، يأتي فيلم “كعكتي المفضلة” كامتداد طبيعي لرؤيتهما الفنية التي ركزت على القصص الإنسانية العميقة والتحديات الاجتماعية ضمن المجتمعات المغلقة. في أفلامهما السابقة، مثل (مطر حمضي) 2015 و الذي يتناول حياة رجل عجوز متقاعد يسعى لاكتشاف ذاته بعد وفاة والدته، ليواجه قضايا الانتماء والبحث عن الذات في مجتمع معقد. و (قصيدة البقرة البيضاء) 2020 الذي يروي قصة امرأة تُدعى “مينا”، تسعى لتحقيق العدالة بعد أن تُعدم السلطات زوجها ظلمًا، مما يدفعها للبحث عن الحقيقة والمصالحة في مجتمع ذكوري – سلطوي صارم. نجدهما يعالجان موضوعات الهوية الفردية والصراع الشخصي مع الأنظمة المجتمعية و السياسية الصارمة، وتتناول أفلامهما القضايا الاجتماعية والوجودية بأسلوب سردي يمزج الواقعية مع الرمزية، ويستخدمان قصصًا عاطفية ولكنها مفعمة بتعقيدات الواقع لتسليط الضوء على هموم أبطالهم العاديين.

2

في “كعكتي المفضلة”، يواصل الثنائي ملاحظتهما اللطيفة -لكن الثورية – للعلاقات الإنسانية، وهذه المرة عبر تقديم الحب من منظور شريحة عمرية مهملة إلى حد كبير في السينما، خاصة الإيرانية منها. بجرأة لا تخلو من الرقة، يتناولان قصة حب بين شخصين في السبعينيات من عمرهما، في سياق يعكس جرأتهما في كسر التابوهات والتحدي الصامت للقيود المجتمعية. يحافظ الفيلم على التوجه الذي يسير عليه “صناعيها” و”مقدم”، بتركيزهما على تحدي الحدود وتناول الشخصيات التي تواجه خيارات قاسية، إما الانصياع أو المخاطرة.

في فيلم “كعكتي المفضلة”، يقدم الكاتبان /المخرجان طبقًا سينمائيًا نادرًا:- دراما رومانسية ممزوجة بالكوميديا تتناول جانباً من تعقيدات الحياة بمرارتها وحلاوتها، خاصة تلك التي تنبع من مجتمع مقيد ومحافظ. يروي الفيلم قصة “ماهين” التي تؤديها (ليلى فرهدبور) بلمسة رقيقة ومشاغِبة، أرملة تبلغ من العمر 70 عامًا تعيش وحيدة في طهران، تقرر – رغم ما تفرضه التقاليد والمحاذير- أن تضع نفسها في تجربة جديدة. رحلتها غير المتوقعة للبحث عن الحب مليئة بالاستكشاف والتمرد، ما بين الحدائق المشمسة والمطاعم الباهتة، وتنتهي أخيرًا في شقتها الدافئة والمشرقة. وتلتقي في هذه الرحلة بـ “فرامرز” (إسماعيل محرابي)، سائق تاكسي وحيد ولطيف، فيصبح الرفيق المثالي لجموح “ماهين” الذي استيقظ متأخرا.

3 4

حبكة بسيطة تحمل نوايا خفية

تنطلق الحبكة عندما تشعر “ماهين” بالحنين إلى شبابها وتزداد انزعاجًا من عزلتها المتزايدة. تعيش ابنتها بعيدا مع عائلتها، كذلك توقفت جلسات الثرثرة التي كانت تجمعها مع صديقاتها بجوار المسبح، وأصبحت الوحدة رفيقها اليومي. ومع دافع غريب -يأتي جزئيًا من قصص رومانسية يرويها أصدقاؤها ومن فقرة إذاعية مثيرة تتحدث عن رفقاء الروبوت – تبدأ “ماهين” بالبحث عن تواصل إنساني يوقظ فيها مشاعر عفا عليها الزمن.

ورغم أن “كعكتي المفضلة” لا يُعد عملاً مبتكرًا من حيث الصبغة الرومانسية، فإن قصته المبنية في زمان ومكان تعتبر فيه أي إشارة علنية للعواطف تعدياً سافراً والتي تضفي على الفيلم طبقات من التوتر والبهجة، كما تتزين القصة بلمسات من الكوميديا، مثل تمردات “ماهين” اليومية – تجولها في الحي بحجاب مكشوف و الدفاع عن نزوات الشبان، وجرأتها مع “فرامارز” وأخذ رشفة من النبيذ في خفية عن الأعين. لقد كان من الممتع مشاهدة “فرهدبور” تجسد رحلة “ماهين” بهذه البراعة، حيث تنقل مزيجًا من الرشاقة والفكاهة والثقة اللامبالية وقليل من السذاجة.

ومن أبرز ما تميز به الفيلم شجاعته في السماح لشخصياته المسنِة بتبني الرومانسية – بل وحتى الشغف – دون خجل أو اعتذار. وبينما يرقصان ببطء أو يتبادلان النكات، تكشف كيمياؤهما المتدفقة عن عقود من الخبرة الحياتية، فتتجسد علاقتهما بلطف وتمرد مؤثرين. هذه اللحظات لا تعكس رومانسية حنونة فحسب، بل تكشف عن طبقة غنية من التحدي، لتعلن أن الحب والشغف لا يقلان أهميةً لكبار السن مقارنة بالأجيال الشابة، ويستحضر أسلوب الحوار بين العاشقين حوارات فيلم “قبل الشروق” لريتشارد لينكلاتر، حيث تعمق كل نظرة، وكل وقفة، وكل رشفة من النبيذ من تواصل المشاهدين مع شخصين كانا يظنان أن الحب قد مر بهما منذ زمن. المصور السينمائي محمد حدادي يعزز هذا الإحساس من خلال الألوان الدافئة الناعمة، مما يجعل شقة “ماهين” تبدو وكأنها واحة منعزلة ، ملجأ من الحرية بعيدًا عن العالم الخارجي الخانق.

4 3

حلاوة العشق ومرارة الأقدار

لكن ليس كل ما يقدمه “كعكتي المفضلة” حلوًا بالكامل؛ إذ يأخذ الفيلم منعطفًا مفاجئًا في فصله الأخير، حيث يُقدم تحولا في النبرة يبدو غير متناسب مع وتيرته الدافئة. وكأن الرحلة المليئة بالفرح قد حفرة غير وقعت في حفرة غير متوقعة، مما يزعج المشاهدين بعد اللحظات الهادئة. البعض قد يرى في هذا التحول تذكيرًا صارخًا بالحقائق الاجتماعية القاسية التي تواجه الشخصيات، بينما قد يعتبره البعض الآخر إضافة غير ضرورية تقترب من كونها تعبيرًا ساخرًا لفيلم يزدهر بالأمل والتمرد البسيط.

في حين يتطرق الفيلم لبعض من مظاهر الاحتجاج الاجتماعي، لا سيما فيما يتعلق بجرأة مهين في تحدي “شرطة الأخلاق”، يرى بعض النقاد أن القصة تعاملت مع هذه العناصر بشكل عابر نسبيًا، كخلفية للشخصية أكثر منها تصريحًا واضحًا. بالنظر إلى خلفية “مقدم” و”صناعيها” في السينما النقد الاجتماعي، ربما كان من المتوقع تناول مباشر لهذه القضايا، بدلاً من سلسلة من المشاهد الإيحائية غير المكتملة واقتبس هنا رأي الناقدة “جيسيكا كينج” في مجلة فارايتي: “كان يجب أن تأتي المفاجأة الأخيرة في وقتٍ أبكر لو كان الفيلم يسعى لأن يكون إثارة اجتماعية، أو تأخذنا أبعد من ذلك لو كان يهدف ليكون دراما تجسد الواقع”

5 3

رغم الحدة في النهاية،، حلاوة الطعم تطغى

يعد “كعكتي المفضلة” نموذجًا نادرًا من السينما التي تتناول تعقيدات محلية مثل الحب في سن متقدمة دون شفقة أو درامية مفتعلة. تُذكرنا “ماهين” بأن الحب، بغض النظر عن العمر أو الظروف، المكان و الزمان، هو دائمًا فعل تمرد. مع أن النهاية مبتورة برأيي وكان يمكن أن تكون أفضل، ينجح الفيلم في مزج بساطة الرومانسية مع تحديات المحظور الثقافي والعرفي، ليخلق حكاية تظل عالقة في الذاكرة بعد انتهاء عرض آخر مشهد، ويدعك تتساءل هل يستحق الحب أن نحيا لنعيشه ،، أو أن نموت من أجله؟