عمر محمد بركات

فيلم (غرف حمراء Red Rooms) هو من تلك الأعمال التي تترك أثرًا عميقًا في النفس، حيث تتسلل أحداثه تحت جلدك وتظل ملتصقة بك حتى بعد انتهاء العرض. يأخذنا المخرج الكندي (باسكال بلانت) في رحلة إلى عالم الجريمة البشع في تلك “الغرف الحمراء” الاسطورية، محولًا الهوس الثقافي بهذا النوع من الجرائم إلى إثارة سينمائية تجمع بين التعلق المشهدي والرعب النفسي. لا تتوقع أنك أمام مَشاهد رعبٍ تقليدية؛ فلا قفزات مفاجئة أو قتلة مقنعين أو وحوش مخيفين، بل يستدعي مشاعرنا -من زواياها المظلمة- تدريجياً لندخل عالم “كيلي-آن”  -تؤديها ببراعة (جوليت غاريبي)- التي تجسد الشغف والغرابة في آن واحد، بنظرات تأسر المُشاهد محاولاً سبر دواخلها و معرفة ما تفكر به، إن “كيلي-آن” هي البوابة التي نستكشف من خلالها أعماق الهوس والوحدة وجاذبية الظلام.

2 12

تدور أحداث الفيلم حول محاكمة “لودوفيك شيفالييه”، شخصية غامضة ومثيرة للريبة، متهم بارتكاب وتصوير وبث جرائم مروعة على الشبكة المظلمة “الدارك ويب”. بينما تكفي التهم لتجعل أي شخص يفقد النوم، الحبكة الحقيقية في الفيلم ليست في “شيفالييه” نفسه، بل في احتياج “كيلي-آن” المستمر والغير مفهوم للاقتراب أكثر من هذه القضية. فهي عارضة أزياء ناجحة خلال النهار ومستثمرة – مقامرة في الليل، تقضي أسحارها منتظرة خارج قاعة المحكمة، تأمل في الحصول على مقعد في الصف الأمامي لهذا العرض المظلم، تتعرف هناك على “كليمنتين” المعجبة التي تعتقد ببراءة “شيفالييه”. تُشكل المرأتان تحالفًا غريبًا وغير مستقر، يحمل كل منهما دوافعها الخاصة لتكون هناك.

تنجح (غاريبي) في تقمص شخصية “كيلي-آن” بطريقة تجمع بين الإثارة والهشاشة الأنثوية. ورغم قلة حواراتها، تتمكن من التعبير عن عالم كامل من الصراعات الداخلية من خلال نظراتها فقط، حيث تعكس تعبيراتها برودة وغموض قاعة المحكمة البيضاء لوناً والمظلمة محتوىً.

 إن مراقبة أداء “غاريبي” هو تجربة مثيرة للقلق، مما يجعل مَشاهد و أحداث الفيلم التي تقضيها في هذه الأجواء الغريبة تجربة استثنائية. إن تجسيدها لـ”كيلي-آن” هو قلب الـ (غرف حمراء) النابض، مما يجعلنا نشعر بعمق القصة النفسي حتى عندما تبدو في أحلك أوقاتها.

4 8

أجواء ثقيلة وتوتر عالي

 تعتبر الأجواء التي يُبنى عليها الفيلم واحدة من إنجازاته الأكثر تميزًا، حيث يجسد تصوير (فينسنت بيرون) المُبدع هذه الأجواء بدقة، يعمل (بلانت) و(بيرون) على سرد مشهدي متقن يجعل كل إطار يحبس الأنفاس، مع قاعة المحكمة ذات الضوء الساطع وشقة “كيلي-آن” المرتفعة و الداكنة والأصوات المخيفة التي تُضفي على المَشاهد شعورًا بالتوتر، تمامًا كما تشعر “كيلي-آن”. كما تعزز الموسيقى التصويرية لـ(دومينيك بلانت) -أخو المخرج- شعورَ الترقب، مما يُبقي المشاهدين في حالة تأهب بينما ننجذب رويداً إلى أعماق الحكاية.

تستحق عناصر الصوت في الفيلم ذكرًا خاصًا. بدلاً من تقديم مشاهد دموية، يعتمد “غرف حمراء” على قوة التخيل، مما يسمح لنا بملء الفراغات في خيالنا – وغالبًا ما تكون النتائج أكثر رعبًا. يكفي سماع أصوات الجريمة: أدوات تعمل بصوت عالٍ، صرخات مكتومة، لنشعر بالقشعريرة، حيث نُجبَر على تخيل ما يحدث بأنفسنا. بهذه الطريقة، يحقق الفيلم رعبًا أكبر مما نتخيله و لا نراه، وهو إنجاز صعب ينجح (بلانت) في تحقيقه بفاعلية.

3 8

نقد مجتمعي لهوس الجريمة والمجرمين

 في جوهره، لا يقتصر الفيلم على كونه فيلم إثارة عن الجريمة؛ بل هو تعبير عن هوس المجتمع بالجريمة و الدماء وما ينتج عنه من استعراض مروع للرعب مستوحى من واقع حقيقي مظلم. في ثقافة اليوم العالمية، حيث يتحول القتلة المتسلسلون إلى شخصيات مشهورة ويستهلك الجمهور العديد من حلقات البودكاست والأفلام الوثائقية -النتفلكسية- عن جرائمهم، يكشف “غرف حمراء” عما قد يقوله هذا الهوس عن هويتنا. لا يقدم الفيلم دروسًا أخلاقية مباشرة، ولكنه يتركنا نتساءل عن الفارق بين الهوس والافتتان والخط الرفيع الذي يفصل بينهما وخطورة تجاوزه.

 مع نهاية الفيلم، نبدأ بالتساؤل: هل “كيلي-آن” تختلف حقًا عن ملايين الأشخاص الذين يتابعون قصص الجريمة الحقيقية بحثًا عن جرعة جديدة من الرعب؟ وهل هناك فرق بين الهوس بالقتل و الهوس بالقتلة؟

5 4

تجربة رعب نفسي غير تقليدية

في النهاية نحن لسنا أمام فيلم كامل و قد لا يناسب الجميع. فقد يجد بعض المشاهدين أن إيقاع الفيلم البطيء يتطلب صبرًا أكبر، خاصةً لأولئك الذين يتوقعون تجربة رعب-جريمة تقليدية. أيضاً مع تركيز كبير على الأحداث والتوتر النفسي مما قد يترك البعض في حاجة إلى مزيد من التفاصيل، بينما يضيف الغموض حول تاريخ شخصية “كيلي-آن” وعلاقتها بالمحاكمة إلى أجواء الفيلم فضولاً، قد يترك الجمهور متعطشًا لفهم أعمق لدوافعها.

“غرف حمراء” فيلمٌ يصعب نسيانه، وينبىء بمخرج متميز يستحق المتابعة والذي يذكرني بالمخرج الكندي (دينيس فيلينوف) في بدايته مع فلم (بوليتيكنيك)، كما أن أداء (جاريبي) المذهل، وجو التوتر المكثف، والطرح المختلف، يصبح أكثر من مجرد ترفيه – بل يدفعك للتأمل ويذكرك بأفلام كانت نقطة تحول في سرد قصص الجريمة والرعب النفسي مثل سبعة لـ(ديفيد فينشر) و صمت الحملان لـ(جوناثان ديمي) والتحفة الكورية (ذكريات الجريمة) لـ”بونج جون هو”، مع شارة النهاية، يتركك مع فكرة أن الخوف الحقيقي ليس من الوحش في قفص الاتهام، بل من الوحش الذي يكمن في بيننا و في داخلنا.