عمر محمد بركات

تخيل أنك تستيقظ في صباح يوم ما لتجد أن وجهك قد تغير بشكل كامل، ليس مجرد مظهر جديد، بل هوية جديدة تمامًا،أصبحتَ تمتلك وجهاً أجمل ولديك فرصة لتكون شخصًا آخر، شخصًا يمكنه أخيرًا أن يعيش الحياة بدون خجل، هذه هي فكرة فيلم (رجل مختلف)، الذي يغوص في الأعماق العاطفية والنفسية للتحول، وليس التحول الجسدي فحسب، أيضاً تأثير ذلك على الشخصية وعلى الحقيقة الداخلية.

الفيلم من كتابة وإخراج (آرون شيمبيرغ)، ويحكي قصة “إدوارد” -الذي يلعب دوره (سيباستيان ستان)-، الممثل الذي يكافح في “نيويورك”، حيث أن مظهره الذي دمرته حالة طبية نادرة تسبب تشوهاً واضحاً في الوجه و قد تؤدي للوفاة، حالته كانت عائقًا أمام حصوله على أدوار حقيقية، وقد كانت آخر فرصة تمثيل حصل عليها في فيديو تعليمي محرج يعلم الناس كيف يتعاملون مع الأشخاص الذين يعانون من “تشوهات في الوجه” وهي وظيفة تعكس شفقة المجتمع أكثر من احترامه. لكن عندما يخبره طبيبه بوجود دواء تجريبي قد يعالج حالته، يقبل “إدوارد” للخضوع للعلاج فيبدأ تغير ملامح وجهه تدريجياً ليصبح شخصاً آخر، وسيماً، يحمل اسماً آخر أيضا “غاي” والذي يلعب دوره (سيباستيان ستان) أيضاً.

1 5

مع مظهره الجديد، يقرر “إدوارد”، الذي أصبح اسمه “غاي”، أن يبدأ فصلًا جديدًا في حياته كرجل مختلف. يتخلى عن هويته القديمة، ويأمل أن يترك وراءه كل شكوكه الداخلية وعقده النفسية التي كانت تؤرقه. ولكن، عندما يدخل عالم الجمال والنجاح، يدرك سريعًا أن التغيير في مظهره الخارجي مجرد حل مؤقت، فلا يلبث حتى تطفو المشاكل الداخلية على السطح و تطارده مرة أخرى. (رجل مختلف) لا يكتفي بسرد قصة عن التشوه الظاهري، بل عن الجروح النفسية العميقة التي تظل تؤثر فينا جميعًا وتتحكم بذواتنا و تشكل وجوهنا الحقيقية، الندوب التي نأمل أن تختفي بتغيير في مظهرنا، أو في ظروف حياتنا.

2 17

أداءات تمثيلية مميزة جعلت من “رجل مختلف” فيلماً مختلفا

إذا كان هناك شيء يميز الفيلم: فهو طاقم الممثلين. (سيباستيان ستان) الذي ربما يعرفه الكثيرون بدوره “باكي بارنز” في سلسلة أفلام “مارفل”، يقدم في هذا الفيلم أداءً يبعث على التعاطف مع شخصية “إدوارد”. يجسد (ستان) الدور بحرفية، ويُظهر ألمه وضعفه بصدق، مما يعكس مشاعر “إدوارد” من كراهية الذات واليأس الصامت، ورغبته المتناقضة في الاندماج مع عالم ترفضه الغالبية حتى ظهور “انغريد”، أداء ستان يسحب المشاهد إلى عالم “إدوارد – غاي” العاطفي المتأزم، مما يجعل من الصعب عدم التعاطف معه، حتى وإن لم تكن تصرفاته دائمًا مثالية.

أما (آدم بيرسون)، الذي يلعب دور “أوزوالد”—وهو رجل آخر يعاني من تشوه الوجه بسبب مرض مشابه ويظهر فجأة -في فترة “غاي”- فقد أضاف طبقة أساسية من الأصالة إلى الفيلم، يمثل اختيار (بيرسون) في هذا الدور نقطة محورية، حيث أن تجربته الحقيقية مع الحالة الطبية تحد من استغلال الفيلم لهذه القضية وتكسبه نوعاً من الواقعية. أداءه في دور “أوزوالد”، الرجل الواثق الذي يتقبل حالته ويكسب محبة الناس بشخصيته المرحة الذكية، مما يشكل تباينًا لافتًا مع كراهية “إدوارد” لنفسه، إن ظهور شخصية “أوزوالد” الذي يشابه “إدوارد” في الحالة و يختلف عنه كلياً في المضمون إنما هي نقلة ذكية تُحدث تغييرًا جذريًا في مفاهيم المشاهدين حول كيفية تصرف الشخص الذي يعاني من تشوهات في الوجه، ويعطيهم نظرة جديدة نحو التعايش مع حالةِ نقصٍ ظاهري، بالتركيز على الجمال الداخلي.

3 13

أيضاً الممثلة الدنماركية “رينات رينسيF”، التي اشتهرت مؤخراً بدور البطولة في فيلم “أسوأ شخص في العالم 2021″، قدمت هنا أداءً دقيقًا وجذاباً في دور “إنغريد” – المحفز الأساسي لتحول “إدوارد”- وهي كاتبة مسرحية جميلة تعكس من خلال حياتها المثالية الصورة التي يروجها المجتمع عن الجمال. لكن اهتمامها بإدوارد يشكل نقطة تحول في حياتها وحياة “إداورد” أيضاً، مما يعمق الموضوع الرئيسي للفيلم حول الهوية والأصالة و الجمال.

يتألق (شيمبيرغ) في كتابة و إخراج الفيلم بوضوح. من حيث الأسلوب، يمزج بين الفكاهة السوداء والحزن ، يُثير التفكير بقدر ما يُمتع. هناك شيء من الخيال في فكرة الفيلم، لكن (شيمبيرغ) يُقوّض هذه الفانتازيا ويبسطها ويطرح نقداَ ضمنياً للهوس الاجتماعي بالمظهر. فمع تحول “إدوارد” إلى “غاي”، تصبح الإضاءة أكثر سطوعًا والألوان أكثر دفئًا، مما يعكس الشعور الأولي بالنشوة والثقة بعد التغيير. لكن مع مرور الوقت، تعود الألوان إلى البرودة والكآبة، في إشارة إلى أن السعادة التي كان يسعى إليها لم تكن في المظهر الجديد، بل في التصالح مع الذات.

5 8

قبول الذات والبحث عن الهوية والجمال

كما نلاحظ أنه يعتمد على اللقطات القريبة جدًا (Extreme Close-Ups) لملامح “إدوارد” قبل التحول، مما يجبر المشاهدين على مواجهة تشوهاته كما يراها هو، مما يعمق إحساسهم بمعاناته. لكن بعد التغيير، يصبح التصوير أكثر انفتاحًا واتساعًا، وكأن الكاميرا تمنحه المساحة التي كان يفتقدها. ثم تعود اللقطات الضيقة كلما زادت عزلته النفسية.

صحيح أن الفيلم غني بالمواضيع العميقة، إلا أنه يعاني أحيانًا من بعض البطء في السرد، خصوصًا في النصف الثاني. قد يشعر بعض المشاهدين أنهم بحاجة إلى تقدم أسرع في الأحداث، حيث أن بعض المشاهد تمتد أكثر من اللازم. كما أن الانتقالات المفاجئة في النغمة قد تكون غير مريحة أحيانًا، حيث تنتقل اللحظات الكوميدية بشكل مفاجئ إلى تأملات عميقة. وعلى الرغم من أن هذه التذبذبات تضيف طبقات من التعقيد، إلا أنها قد تجعل بعض المشاهدين يشعرون بالارتباك. تبقى مجرد ملاحظاتٍ صغيرة، فنحن أمام فيلم مختلف و مؤثر، يطرح أسئلة مهمة حول العلاقة بين المظهر والهوية: مشكلة العصر الحديث. يدعونا صناعه لإعادة التفكير في مفهوم الجمال—ليس فقط ما تعكسه عيون الآخرين، بل كيف نرى أنفسنا.