عمر محمد بركات
في فيلم “كوكب جانيت”، الذي يمثل الإطلالة السينمائية الأولى للمخرجة المسرحية (آني بيكر)، نغوص في عالم “جانيت” الطبيعي الذي ينبض بالحياة بتفاصيله المرئية و المسموعة: أصوات الحشرات التي تصدح في الأجواء، حفيف أوراق الشجر التي تراقصها الرياح، والمشاعر العميقة التي تعبر عن نفسها دون كلمات بين أم وابنتها تعيشان صيفًا هادئاً في أرياف “ماساتشوستس” عام 1991. لا يعتمد الفيلم على الإبهار أو الحركة لتمرير أفكاره، بل يأخذ بيد المشاهد برفق إلى عوالمه، حيث الأرضيات الخشبية تُصدر أصواتًا خافتة، ومسارات الغابات تحتضن أسرارها، والأشخاص يدخلون ويخرجون من المشهد وكأنهم أحلام عابرة بالكاد نتذكرها. مع هذا العمل الأول، تُظهر بيكر موهبة سينمائية واعدة ترافقها روحٌ شاعرية تُلامس عمق المشاعر الإنسانية.

حكاية الأمومة والطفولة ومابينهما
تدور القصة حول “جانيت” التي تؤديها ببراعة (جوليان نيكلسون)، الأم العزباء التي تجمع بين السخرية اللاذعة ورهافةٍ تخفيها خلف قناع القوة. تعيش مع ابنتها الصغيرة “لاسي” (زوي زيغلر) و التي ترى العالم بعيون واسعة مليئة بالدهشة، ولكنها تحمل قلبًا حذرًا متعلقاً بوالدتها. تبدأ القصة مع مكالمة درامية من معسكر صيفي، حيث تصرخ” لاسي”: “”سأقتل نفسي إذا لم تأتِ وتأخذيني!””، فتعود إلى المنزل لتقضي صيفًا هادئاً يبدو بلا نهاية.
خلال هذه الفترة، تعيش الأم وابنتها سلسلة من اللحظات اليومية البسيطة، لكنها غنية بالتفاصيل التي تنبض بالحياة. تتخلل أيامهما لقاءات مع شخصيات مثل: “واين” (ويل باتون)، صديق “جانيت” المختل عاطفيًا؛ و”ريجينا” (صوفي أوكونيدو)، صديقة قديمة تظهر بشكل مفاجئ؛ و”آفي” (إلياس كوتياس)، شخصية غريبة تحمل طابعًا غامضًا.
يتقدم السرد بطريقة تُحاكي الذكريات، فلا يهتم بالحبكة التقليدية، بل يركز على اللحظات العابرة والمشاعر الكامنة في المساحات الضبابية بين الطفولة والبلوغ، وبين الشوق والوحدة.

الحياة تختبىء بين الأصوات و الصور
تُعرف المخرجة المسرحية (آني بيكر)، الحائزة على جائزة بوليتزر، بقدرتها على تحويل الصمت إلى أداة درامية مؤثرة، وهو ما تميزت بتقديمه في أعمالها المسرحية السابقة، تنقل هذه البراعة إلى الشاشة باقتدار، حيث تخلق عالمًا مليئًا بالأصوات الطبيعية: طنين حشرات السيكادا المستمر، احتكاك الحصى تحت الأقدام، وحفيف الرياح بين أوراق الأشجار. حتى الصمت في الفيلم يبدو مشبعًا بالحياة، وكأن الطبيعة نفسها تُشارك في الحكاية، تبوح بأسرارها لأولئك الذين يمنحونها وقتًا للاستماع.
اختيار التصوير بكاميرا فيلم 16 ملم كان موفقاً بالفعل فقد أضفى على العمل طابعًا حميميًا قديمًا وكأننا نشاهد شذرات من ذاكرة شبه منسية، كما أن الألوان أكثر دفئاً و أقرب للطبيعة. يُكمل هذا الأسلوب المرئي التصوير السينمائي المميز ل(ماريا فون هاوسوولف)، التي تلتقط الضوء الذهبي بطريقة تمنح المشاهد شعورًا مزدوجًا بالدفء والحزن. مع أن استخدام اللقطات البعيدة يُعزز الطابع المراقِب للعمل -شخصياً أراه خيارا فنياً مناسباً يدعو للتأمل أكثر-، إلا أنه قد يجعل اللحظات العاطفية الكبرى تبدو أحيانًا أقل تأثيرًا مما قد تكون عليه.
كما أن الصوتيات التي أبدع في تصميمها (بول شو) تُعزز هذا الجو الحسي، حيث تُبرز كل صوت — من خشخشة الأرض إلى زقزقة الطيور إلى الأنفاس— بدقة تُلامس الحواس وتدخل المشاهد لا شعورياً في ما يشبه وضع التأمل.

أداءات تمثيلية تُثير الإعجاب
تقدم (جوليان نيكلسون) أداءً استثنائيًا، حيث توازن بين الحدة العاطفية والهشاشة النفسية. تَظهر “جانيت” كشخصية مليئة بالتناقضات؛ فهي هادئة وساخرة وقوية ظاهريًا، ولكنها تُخفي حزنًا عميقًا لا يعبر عنه بالكلمات. تمكنت (نيكلسون) من خلق شخصية أم حقيقية، ليست مثالية ولا خالية من العيوب، بل إنسانية بكل ما تحمله من تعقيدات ورواسب.
أما الطفلة (زوي زيغلر)، التي تؤدي دور “لاسي” في أول ظهور سينمائي كبير لها، فتُثبت نفسها كموهبة واعدة. وراء نظارتها الكبيرة وهيئتها الصبيانية، “لاسي” شخصية هادئة لكنها متأملة، تراقب العالم من حولها دون أن تصدر الكثير من الأحكام. أداء (زيغلر) مليء بالتفاصيل الصغيرة التي تجعلها محورًا مركزيًا للقصة، تشعر وكأنك ترى العالم بعيونها، حلاوة الطفولة المختلطة ببوادر النضج المبكر.

مواضيع عميقة و معالجة مُتقنة
يعالج الفيلم موضوعات مثل الطبيعة العابرة للحياة والعلاقات الإنسانية و النضوج و التشافي. الأشخاص يدخلون ويخرجون من حياة “جانيت” و”لاسي” بطريقة تُشبه الظهور ثم الاختفاء في دفاتر الذكريات، مع عناوين تظهر على الشاشة للإشارة إلى هذه التحولات.
ترمز عيادة “كوكب جانيت” للعلاج بالإبر إلى الملاذ الجسدي والنفسي، حيث تعمل كاستعارة للجراح العاطفية التي لا تُشفى بسهولة. رغم ثقل المواضيع التي يتناولها الفيلم، إلا أن حس الفكاهة السوداء يظهر بوضوح، خاصة من خلال “لاسي”، التي تجد متعة في استكشاف الجوانب المظلمة للحياة بطريقة بريئة تجمع بين الطرافة والغرابة.
إيقاع الفيلم المتأني وافتقاره إلى حبكة تقليدية قد لا يروق للجميع. فالفيلم يعتمد على خلق تجربة شعورية أكثر من تقديم سرد واضح، مما قد يترك البعض يشعرون بالإحباط إذا كانوا يبحثون عن قصة واضحة.

حوار بسيط، عاطفي و عميق
يتميز الفيلم بالحوار العفوي الذي يخفي وراء بساطته عمقًا عاطفيًا ووجوديًا، المحادثات بين الشخصيات تنساب بحرية وكأنها لم تخضع للتنقيح، لكنها مع ذلك تتسم بثقل شعوري فلسفي يعكس مهارة بيكر في رسم تفاصيل العلاقات الإنسانية المعقدة دون الحاجة إلى إيضاح مباشر. كل جملة في حوارها تفيض بتلميحات مخفية تحت السطح، تثير مشاعر دفينة وتفتح نوافذ على دواخل النفس، على سبيل المثال: الحوار الذي دار بين “ريجينا” و”جانيت” تحت تأثير المخدر حين عبرت “جانيت” بطريقة عاطفية عن القرارات الخاطئة ثم خيبة أملها، وحوار “جانيت” بصوتها المبحوح مع ابنتها عن قدرتها على إقامة علاقات مع الرجال الذي ينتهي بسؤال “لاسي” : “”هل يمكنكِ التوقف؟!”” نعم سؤالٌ بريء، لكنه مصيري ليس فقط على كوكب جانيت بل على كوكب الأرض بأسره.
في المجمل، فيلم”جانيت بلانيت” من الأفلام المهمة في 2024 يدعوك بمحبة لمشاهدةٍ ثانية، فهو تجربة سينمائية حانية تأخذك في رحلة هادئة ومليئة بالمشاعر، حيث يتحدث الصمت وتهمس النظرات. إنه فيلم عن الحب والوحدة والمساحات الرمادية بينهما، تلك اللحظات الصغيرة التي تتشكل فيها الذاكرة دون أن ندرك، تُقدم لنا (آني بيكر) فيلمًا شاعرياً ، يهتم بالكلمات التي لم تقال بعد، يذكرنا أن بعض الحقائق في الحياة لا يمكن التعبير عنها ببساطة بل يجب أن نعيشها لنفهمها.

