عمر محمد بركات

في عالم سينمائي يكثر فيه الصخب، هناك أفلام تتجاوز كونها مجرد حكاياتٍ تُروى على الشاشة، لتصبح تجارب عاطفية تعيدنا لوضعية “ضبط المصنع” لفهم علاقتنا بالحياة والعائلة والذات. فيلم “بناته الثلاث” للمخرج (أزازيل جاكوبس) هو واحد من تلك الأفلام النادرة، التي تلتقط جوهر الروابط العائلية وتضعها تحت المجهر لترصد المشاعر المتضاربة والخلافات العالقة وتفكك دوافعها. بأسلوبه الهادئ و العميق، يتسلل بنا الفيلم في رحلة داخلية تستكشف مشاعر الإنتماء و قسوة الوداع، والمصالحة مع الماضي. 

تدور أحداث الفيلم في شقة متواضعة في “مانهاتن” حيث تجتمع شقيقاتٍ ثلاث، بعد سنوات من التباعد، لرعاية والدهن المريض الذي يقترب من أيامه الأخيرة.  “كاتي” (كاري كون)، الأخت الكبرى، امرأة قوية ومتحكمة، تحاول موازنة حياتها المهنية مع تحديات رعاية عائلتها وخاصة ابنتها المراهقة العنيدة. “راشيل” (ناتاشا ليون)، الأخت الوسطى من زواج الأب الثاني، تعيش معه في الشقة، تقضي وقتها بين المراهنات الرياضية والتدخين، مدعيةً عدم الاكتراث، لكنها تحمل في داخلها جروحًا دفينة ومشاعر غير مقدرة . أما “كريستينا” (إليزابيث أولسن)، الأخت الصغرى، فتبدو الأكثر هدوءًا، تمارس اليوغا وتحاول بث طاقة السلام، لكنها ليست بمنأى عن صراعاتها الداخلية. 

مع اقتراب والدهن من مفارقة الحياة، تفرض اللحظة المصيرية نفسها، فتتفجر المشاعر المكبوتة، وتعود الخلافات القديمة للسطح، مما يؤدي إلى مواجهات، وانكسارات، وومضات نادرة من الحنان والدفء العائلي. 

11

عدسة درامية تلتقط تعقيدات العلاقات العائلية  

أحد أبرز جماليات الفيلم هو تصويره الواقعي للعلاقات الأسرية، حيث تلتقط الكاميرا أدق تفاصيل التفاعل بين الأخوات. الضيق المكاني في الشقة ليس مجرد خلفية، بل عنصر درامي بحد ذاته، يعكس مدى تعقيد العلاقة بين الشخصيات وتنافرها، ويجعل المشاهد يشعر وكأنه محاصر معهن في دوامة المشاعر المختلط، ذلك بفضل المصور السينمائي (سام ليفي) الذي نجح في تحويل المساحة المحدودة إلى عالم متكامل من الانفعالات. استخدامه الذكي للكاميرا جعل من الشقة شخصية إضافية في الفيلم، حيث تتحول الغرف الضيقة والزوايا الحادة إلى انعكاس بصري للعلاقات المتوترة بين الأخوات، كل هذا بجانب الاضاءة الصفراء الخافتة الطاغية، التي تغلف المشاهد بإحساس دائم بالاختناق والحنين في آنٍ واحد، وكأن الضوء نفسه محمّل بثقل الذاكرة، يفضح ما تحاول الشخصيات إخفاءه، ويحوّل المكان إلى مساحة نفسية نابضة بالحزن، والتوتر، والأسئلة المؤجلة

2

أداء تمثيلي مؤثر، متناغم وقريب للقلب

يصعب الحديث عن الفيلم دون التوقف عند الأداءات القوية التي قدمتها بطلاته، ومما يستحق الذكر، أن المخرج صرح في لقاء جمعه بالممثلات الثلاث أنه كتب النص وهو يفكر بهن شخصيا لأداء الشخصيات وإضفاء روح الكوميديا الساخرة على الاجواء الدارمية الثقيلة. (كاري كون) تتقمص شخصية “كاتي” بلمسات دقيقة، من لغة جسدها المشدودة إلى نبرتها الحادة، مابين كونها أماً و أختاً كبيرة يخنقها حس المسؤولية الخالي من الحنان ويضايق من حولها، مما يجعل حضورها طاغيًا في كل مشهد. (ناتاشا ليون) في دور “راشيل” تقدم نموذجًا للمرأة الحساسة، التي تخفي هشاشتها خلف درع من السخرية وعدم الاكتراث وتدخين الماريجوانا في محاولة دفاعية لاظهار شخصية قوية مصطنعة و كبت راشيل المرهفة، بينما (إليزابيث أولسن) تجسد شخصية “كريستينا” بمزيج من الصفاء الخارجي والتصالح الداخلي بشكل أقرب للمثالية المزيفة والتي تفضحها بنفسها حين تقول ” مجرد أنني لا أشتكي لا يعني أنني لا أواجه مشاكل” وهذا ما يجعل شخصيتها الأكثر غموضًا بين الثلاثة مما يثير مشاعر الغيرة اللطيفة. إن الاختلاف الواضح بين شخصياتهن والكيمياء بين الأخوات – الممثلات تجعل التفاعلات طبيعية ومقنعة، وكأننا نشاهد شقيقات حقيقيات يعشن تجربة وجودية مؤثرة و مألوفة.

3 1

 سيناريو رقيق وحوارات تجمع بين السخرية والعمق

سيناريو (جاكوبس) متقن البناء، يجمع بين الحوارات اليومية البسيطة والحكمة العميقة التي تتسلل بين السطور. الحوارات مليئة بالتلميحات الساخرة والتعليقات العفوية، مما يمنح الفيلم لمسة طبيعية تشبه الواقع إلى حد بعيد. هناك توازن رائع بين اللحظات الثقيلة عاطفيًا والمواقف التي تخفف التوتر بالفكاهة السوداء، شجارات كريتسينا و كاتي مثالاُ.

صحيح أن الاعتماد الكبير على الحوارات والمكان الواحد يجعل الفيلم أقرب إلى تجربة مسرحية مكثفة، مما قد يحدّ من شعور بعض المشاهدين بأنه يعيش تجربة سينمائية بصرية واسعة. ومع أن هذا الخيار الإخراجي مقصود ومتسق فنياً، لكنه قد لا يناسب من يفضلون الأعمال ذات الأبعاد المتعددة والتنوع البصري.

الفيلم يتخذ نهجًا تأمليًا يمنح الشخصيات مساحة كافية للبوح والتتطور والتشافي، لكنه قد يبدو بطيئًا لمن اعتادوا على سرديات أكثر حيوية وديناميكية. لا يعتمد الفيلم على الأحداث الكبيرة بقدر ما يستمد قوته من تفاعل الشخصيات، وهذا قد لا يروق لجميع الأذواق. 

4 1

عندما يصبح الموت مرآة للحياة

يدور الفيلم حول فكرة الفقدان، لكن لا يُقدم الموت هنا كحدث مأساوي مجرد، بل كمحفّز يكشف لنا كيف يمكن للبشر أن يعيدوا تعريف أنفسهم في حضرة اللحظات الأخيرة. كل أخت تجد نفسها مجبرة على مواجهة ما تهرب منه: “كاتي” تصارع هوسها بالسيطرة والكمال، “راشيل” تواجه وحدتها وغربتها التي تحاول إنكارها، و”كريستينا” تختبىء خلف هدوءها والتزامها والذي قد يكون قناعًا تخفي وراءه خوفها من التغيير.

تُمثل الشقة (المنزل) رمزًا لذاكرة العائلة، حيث تسكن مشاعر الحب والتوتر والحنين، لتصبح مساحة مليئة بالأشباح العاطفية التي لم يتم التصالح معها بعد. الفيلم يستكشف أيضًا تأثير الأدوار العائلية على الهوية الفردية، فلكل أخت دور غير معلن في الأسرة، لكن مع تغير الظروف، تتزعزع هذه الأدوار، ما يخلق صراعات داخلية جديدة. 

يكتمل الفيلم في الربع ساعة الأخيرة مع مونولوج الأب في الصالة، والذي يرفع الفلم من كونه دراما عائلية متقنة، إلى مستوى العمل الفني الخالد، فهو لا يتوقف عند كونه مجرد حكاية عن ثلاث شقيقات، بل يتعدى ذلك ليغدو دراسة شاعرية حديثة في العلاقات الإنسانية، تستكشف المشاعر المكبوتة والتجارب التي تُشكل علاقاتنا مع من نشأنا معهم و مع أنفسنا أيضاً.