لطالما اعتُبرت السينما مجرد وسيلة للتسلية والهروب من هموم الواقع، لكن تاريخها يخبئ وجهًا آخر،أكثر انسانية، وأكثر عمقًا: وجه المقاومة. فمنذ بدايات القرن العشرين، وجدت السينما نفسها في قلب الصراعات السياسية الكبرى، بين أن تنأى بنفسها عن التدخل، أو أن تكون أداة بيد السلطة، أو الخيار الأصعب: أن تكون منبرًا يدافع عن المظلومين وينتصر للحق.

 ولعلّ تاريخ المقاطعات السينمائية يقدّم لنا ما يمكن وصفه بـ”التاريخ الموازي للسينما”، تاريخٌ يروي كيف تحوّل الفن السابع إلى سلاحٍ رمزي قادر على الوقوف ضد الأنظمة القمعية، وتعبئة الرأي العام، وبث روح التضامن مع الشعوب المقهورة.

من هوليوود زمن النازية، مرورًا بعصر المكارثية وحرب فيتنام، وصولاً إلى المقاطعة الثقافية ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ثم الغزو الأمريكي للعراق إلى موجة التضامن الراهنة و المتنامية مع غزة، يتجلى نمط مشرِف: السينمائيون لا يكتفون بالمشاهدة أو يقفون على الحياد في منطقة رمادية، بل يتطوعون لتغدو السينما فعلا ثورياً وجزءًا من المعركة بين الحق والباطل.

the great dictator

هوليوود والنازية: بين المصلحة وشجاعة الفنان

في الثلاثينيات، وبينما كان هتلر يوطد أركانَ حكمه في ألمانيا، كانت استوديوهات هوليوود الكبرى تحسب خطواتها بميزان المال. باعت استوديوهات هوليود عشراتِ الأفلام للأسواق الألمانية، وتجنبت إنتاج أيَ عمل يُسيء للنازية خشية خسارة الأرباح. بل وصل الأمر إلى خضوع بعض الأفلام لتعديلات طلبها ممثلو النظام النازي في لوس أنجلوس.

وسط هذا التواطؤ، برز صوت واحد مغاير، كسر الصمت: إنه تشارلي شابلن. في عام 1940، وقبل دخول أميركا الحرب، أطلق فيلمه الشهير “الديكتاتور العظيم” ساخرًا بجرأة من هتلر وموسوليني. كان ذلك تحديًا مباشرًا لما هو سائد، وأثبت أن فنانًا واحدًا قادرٌ على إحداثِ شرخٍ في جدار الصمت. نجح الفيلم رغم الرقابة الأوروبية وأثبت أن السينما يمكن أن تكون فعل مقاومة لا يقل أثرًا عن الصحافة والسياسة.

Dalton Trumbo House Un American Activities Committee HUAC 1950

الحقبة المكارثية: هوليوود ضد نفسها

بعد انتهاء الحرب جاء التهديد من الداخل، ففي الخمسينيات وفي ظل الهوس بمطاردة “المتهمين بالشيوعية”، فرضت لجنة الأنشطة غير الأميركية على السينمائيين المثول أمامها والإجابة عن أسئلة تتعلق بانتماءاتهم وأفكارهم، أما من رفض، مثل مجموعة “عشرة هوليوود” -ومنهم كاتب السيناريو دالتون ترمبو-، وجد نفسه مطرودًا من الصناعة، ومُدرجًا في القوائم السوداء، وتضامناً مع المتضررين، وفي عام 1947 أنشأ مجموعة من العاملين في هوليود ما يسمى “لجنة التعديل الأول” للدفاع عنهم، ثم في عام 1950 تم إنتاج فيلم وثائقي قصير بعنوان “Hollywood Ten” بسرعة، بهدف زيادة الوعي العام وجمع الأموال القانونية لكتاب السيناريو والمخرجين المدرجين في القائمة السوداء.

هذه المرة، لم يكن القمع قادمًا من الخارج، بل من قلب النظام الأميركي ذاته. السينما التي كان يفترض أن تدافع عن حرية التعبير تحولت إلى أداة طيّعة للسلطة، بينما عانى الفنانون أصحاب المواقف من التهميش والبطالة. ومع ذلك، وُلدت من رحم هذا الظلم أعمال استثنائية مثل فيلم Salt of the Earth (1954)، الذي صوّره فنانون ممنوعون من العمل، فصار رمزًا لمقاومة الصمت المفروض بالقو،. وبسبب شجاعة صناع أفلام مثل كيرك دوجلاس و أوتو بريمنجر تم كسر الحظر في بداية الستينات.

end the war on Vetinam

حرب فيتنام: السينما تنحاز لحق الشعوب

في الستينيات والسبعينيات، تصاعدت الاحتجاجات ضد حرب فيتنام، ووجدت هوليوود نفسها أمام اختبار جديد، فيلم يعد ممكناً الاكتفاء بتصوير البطولات العسكرية التقليدية؛ فالواقع فرض أسئلة حقيقية مُوجعة عن جدوى الحرب وعدالتها.

أفلام The Deer Hunter (1978)من بطولة روبرتو دينيرو و Coming Home (1978) للمخرج هال أشبي أظهرت الأثر السيء للحرب ومعاناة الجنود العائدين بكسور جسدية ونفسية، بينما جاء Apocalypse Now (1979)  للمخرج فرانسيس فورد كوبولا و الممثل مارلون براندو، ليغوص في عبثية الحرب وقسوتها. لم تكن هذه الأفلام بيانات سياسية مباشرة، لكنها نقلت للجمهور صدمة الجنود وعبثية الحرب، وأعطت الأميركيين لغة بصرية لفهم التكلفة الإنسانية. بالتوازي، خرج فنانون مثل جين فوندا ودونالد ساذرلاند ومارتن شين إلى الميادين وشاركوا في التظاهر، ليصبح النجوم أنفسهم جزءًا من الحركة المناهضة للحرب.

artists against africa

جنوب أفريقيا والفصل العنصري: المقاطعة كأداة ضغط عالمي

ربما كانت تجربة جنوب أفريقيا المثال الأوضح على فاعلية المقاطعة الثقافية. منذ الستينيات، أعلن كتاب وممثلون رفضهم عرض أعمالهم أمام جمهور مفصول عنصريًا. ومع السبعينيات والثمانينيات، تحولت المقاطعة إلى حملة عالمية واسعة. نقابات فنية في بريطانيا وأميركا منعت أعضائها من العمل في البلاد، فيما وثّقت أفلام مثل Last Grave at Dimbaza (1974)  الممارسات الوحشية للنظام.

كما لعبت هوليوود دورها فيلم Cry Freedom (1987) لريتشارد أتينبرو والذي سلط الضوء على اغتيال الناشط الجنوب أفريقي “ستيف بيكو”، بينما حاز A World Apart (1988)  عدة جوائز في مهرجان كان. لم تتوقف هذه الأفلام عند كونها أعمالاً فنية، بل شهادة حق دفعت المجتمع الدولي إلى عزل النظام العنصري، وأسهمت في نزع شرعيته. حتى أن “نيلسون مانديلا” بعد خروجه من السجن، أكد أن المقاطعة الثقافية كانت سلاحًا مؤثرًا في معركتهم.

steptodown.com632272

غزو العراق: مواقف تستحق الإشادة

لقد كان الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 مثار جدل واسع في أمريكا أدى إلى ظهور حركة معادية للحرب في هوليوود. عارض فنانون مثل شون بن وسوزان ساراندون الحرب علانية، حيث نشر شون بن رسالة مفتوحة للرئيس بوش وزارت ساراندون الاحتجاجات، بينما استخدم آخرون مثل مايكل مور منصة حفل الأوسكار للتعبير عن معارضتهم والكثير منهم فضل الصمت خوفا على سمعته من التشويه، والكثير الفنانين انضم إلى حملة إعلامية شعبية مناهضة للحرب ولسياسات بوش بعنوان “ليس باسمنا ” (Not in Our Name) ، والتي وقع عليها ما يزيد من 100 شخصية من عالم الفن والترفيه، مثل ماريسا تومي وأوليفر ستون وجيسيكا لانج.

Actors with palastine

فلسطين الآن: قضية العالَم وقِبلة الفنان

اليوم، ومع اشتداد الحرب على غزة وما خلّفته من صور الفاجعة الإنسانية – آلاف القتلى المدنيين، وملايين النازحين، وأطفال يتضورون جوعًا – تتجدد قصة الفنان والمقاطعة في واحدة من أكثر صورها وضوحًا. في خضم هذه المأساة، أعلن أكثر من 8000 فنان عالمي حتى الآن في حركة تسمى Film Workers for Palestine، بينهم ممثلين ومخرجين ومنتجين وكتّاب معروفين، توقيعهم على تعهّد بمقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية المتورطة في دعم الاحتلال أو تبريره.

القائمة تضم أسماء لامعة من هوليوود وأوروبا: أوليفيا كولمان، إيما ستون، مارك رافالو، خافيير بارديم، تيلدا سوينتون، ريز أحمد، سينثيا نيكسون، إضافة إلى مخرجين بارزين مثل آفا دوفيرناي ويورغوس لانثيموس، والقائمة تطول، هذا الطيف الواسع من الأسماء المهمة يعكس تنوعًا جغرافيًا وفنيًا غير مسبوق، ويضفي على الحركة وزنًا سياسيًا ورمزيًا يجعل من الصعب تجاهلها.

الوثيقة التي وقعها الفنانون ليست بياناً عاطفياً، بل نصٌ صريح و امتداد مباشر لتجربة مقاطعة جنوب أفريقيا في الثمانينيات. فقد جاء فيها: “استلهامًا من صانعي الأفلام الذين رفضوا عرض أفلامهم في جنوب أفريقيا زمن الفصل العنصري، نتعهد بعدم عرض أفلامنا أو العمل مع المهرجانات ودور السينما ومؤسسات البث والإنتاج الإسرائيلية المتواطئة في الإبادة الجماعية والفصل العنصري بحق الشعب الفلسطيني.” بهذا الشكل، تحوّل البيان إلى ربط تاريخي واعٍ بين نضال الأمس في جنوب أفريقيا ومعركة اليوم في فلسطين.

Hind rajab crew

الجدير بالذكر أن هذه الدعوات تزامنت مع عرض فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة كوثر بن هنية في مهرجان البندقية السينمائي، وهو فيلم يروي مأساة طفلة فلسطينية في الخامسة من عمرها قتلتها القوات الإسرائيلية. استُقبل الفيلم بحفاوة بالغة وفاز بجائزة الأسد الفضي، وكان من بين المنتجين المنفذين له نجمان أمريكيان بارزان هما براد بيت وخواكين فينيكس، في إشارة إضافية إلى أن القضية الفلسطينية لم تعد على هامش السينما العالمية، بل باتت في صميمها.

إن وزن الأسماء المُشاركة، جعل هذه المبادرة تكتسب صدى عالميًا، لتصبح علامة فارقة في تاريخ التقاء السينما بالسياسة. فقد تحولت منصات التواصل ووسائل الإعلام إلى ساحة نقاش ساخن فحملةُ المقاطعة الراهنة لا تُختزل في أرقام أو بيانات بل تعبّر عن لحظة تاريخية مفصلية تضع هوليوود والعالم أمام سؤال أخلاقي: هل ينبغي للفنان أو المثقف أن يظل محايدًا في وجه صور الاحتلال و المجاعة والقصف والدمار؟ أم أن الحياد ذاته يصبح شكلًا من أشكال التواطؤ مع الظلم؟

من ضد النازية إلى الوقوف مع غزة وتحرير فلسطين، يظل فعل المقاطعة السينمائية شاهدًا على أن الفن ليس رفاهية، بل قوة رمزية تصنع الفارق. صحيح أن فيلمًا لا يوقفُ حربًا ولا فناناً يُسقِط نظامًا بمفرده، لكنه قادرٌ على تعرية المعتدي، على إرباك المُتصهين، على نزع فتيل الأسئلة في وجدان الجمهور، وهنا تكمن قوته.