عمر محمد بركات

من البحار المشرقة التي يغمرها ضوء الشمس إلى قاعات القصور الفخمة المتلألئة في فرنسا القرن التاسع عشر، يأخذنا أحدث اقتباس سينمائي لرواية “الكونت مونت كريستو” -للأديب الفرنسي “أليكساندر داماس”- إلى عالمٍ مِلؤه الخيانة، والانتقام، والتضحية حيث تتجسد هذه المشاعر في عيون أبطال الرواية وهم مُرتدين أجمل وأبهى الأزياء. هذا الاقتباس، من إخراج “ماتيو ديلاپورت” و”ألكسندر دي لا باتيليير” -مخرجي فيلم الفرسان الثلاثة بجزئيه-.

يدور الفيلم في أوائل القرن التاسع عشر، لكن إخراجه ينبض بطاقة معاصرة، تُحاكي إيقاع أفلام الحركة الحديثة دون التضحية بروح النص الأصلي، فهنا لا يرتدي البطل عباءة خارقة، بل يلبس ظلّ الألم.

في دور البطل -الذي يبدو أنه مصمم خصيصًا له- يتقمص (بيير نيني) شخصية “إدموند دانتيس”، البحار الشاب النبيل الذي أصبح قبطاناً للتو ويخطط للتقدم إلى حبيبته “مرسيدس” فتنقلب حياته رأسًا على عقب عندما يخونه أعز أصدقائه، “فيرناند” (باسيتيان بويون)، بطريقة مفجعة ومدمرة، فيتم تشويه سمعته بتهمة خيانة الوطن ثم إرساله ظلماً إلى سجن “جزيرة إيف” ويُلقى في الزنزانة المظلمة وحيداً بلا أمل، لكن جاره الغامض في الزنزانة المجاورة يدخل حياته و كأنه رسول جاء من الغيب ليقلب الموازين، حينها تبدأ واحدةٌ من أشهر قصص الانتقام في التاريخ حيث ينقلنا الفيلم في رحلة مذهلة حين يعود إدموند بعد 14 عامًا من السجن، ومعه ثروة من المعرفة، وكنز هائل، ورغبة عارمة في الانتقام.

بسبب خيانة الصديق ” فيرناند ” يتحول “إدموند” من عاشق بريء تعرض لطعنة في الظهر إلى منتقم باردٍ قاسٍ عاد ليسويالحساب القديم مع من خانه. بنظراته الحادة وأدائه العاطفي المتميز، يجعلنا (بيير نيني) نشعر بثقل مشاعره والدافع الذي يحرك شخصيته، و أيضا الممثلة الرقيقة (أناييس ديموستييه) في دور “مرسيدس” الحبيبة – والتي تمثل القلب العاطفي للرواية- كان تجسيدها للشخصية عميقاً وصادقاً أضفى بعدًا إنسانيًا على القصة، عبرت عن مشاعر الحب والخذلان والصراع الداخلي بين الوفاء لحبها القديم والتأقلم مع الحاضر، ولعل أكثر لحظاتها تأثيرًا تأتي في المشاهد التي لا تنطق فيها بل حين تَصرخ عيناها بما تعجز الكلمات عن قوله ، فهل تستطيع “مرسيدس” أن ترجح كفة الحب على الانتقام؟

1

لم تفقد الرواية جاذبيتها أبداً، بالرغم من أنها اقتُبست كثيرا في السينما و التلفزيون، مثل نسخة 2004 الأمريكية من الكونت دي مونت كريستو” والتي كان بها بعض التعديلات على الحبكة، وأذكر أنني استمتعت بالتوازن بين الإثارة البصرية مع العناصر الرومانسية، أيضاً أداء (جيم كافيزيل) و(جاي بيرس) كان مميزاً، حيث أضافا طبقات من العمق للشخصيات، لذا لم أكن أتوقع الكثير هذه المرة، إلا أن الفيلم الفرنسي الجديد -برأيي- تفوق على سابقيه  مما جعلني أشعر بأنني أمام تجربة سينمائية أكثر اكتمالًا.

يبدو التزام السيناريو بخط السرد الكلاسيكي للرواية جلياً، لكنه يُعيد ترتيب بعض المحاور ليتلاءم مع حساسية المتلقي المعاصر. نلاحظ ذلك في التوازن المدروس بين المشاهد الحوارية العميقة ولحظات الإثارة البصرية، ما يمنح الفيلم بُنية متماسكة رغم طوله (178 دقيقة)، يَشُدنا الفيلم بلقطاته المثيرة مُقدماً عرضاَ مُحكماً تدفعه الحركة و تفاصيل خطة الانتقام مع قليل من الغموض، هذا الأسلوب يُبقي المُشاهد مُترقباً ومُستعدًا للانعطافة التالية في خطة “إدموند” المعقدة.

يُعتبر هذا الإنتاج من أضخم الأعمال الفرنسية لعام 2024، بتكلفة بلغت 42 مليون يورو، ويبدو أن كل يورو صُرف بعناية: القصور، الأزياء، تفاصيل الديكور، جميعها تعكس التزامًا شديدًا بالتاريخ و المكان دون أن تفقد البعد الفني. لكن المفارقة هنا أنه في بعض اللحظات، يبدو أن البذخ البصري يهيمن على المشهد ويطغى على الجوهر، مما يهمّش الجانب العاطفي لصالح الصورة، أما القصر الذي يسكنه “دانتيس” بعد تحوّله إلى “كونت مونت كريستو”، بقبابه الذهبية وزخارفه الباروكية، يُجسد الثروة الهائلة لكنه في الوقت ذاته يرمز إلى التحصن داخل الذات، وكأن الثراء ليس إلا قيدًا آخر يَعزل صاحبه عن العالم.

لا ننسى دور الموسيقى التصويرية من تأليف (جيروم ريبوتيه)، فهي لا تُرافق المَشاهد فحسب، بل تكاد تسبقها أحيانًا. تستحضر نغماتها بُعدًا أسطوريًا، يُحاكي نوعًا من النبوءة، وكأن الانتقام حتميّ منذ البداية. فالعناصر الموسيقية غنية ومعبرة بطريقة رفعت من جودة الفيلم، فهي تتماشى مع الحركة المتسارعة، في الوقت ذاته تُجمل لحظات الترقب في الفيلم. سواء كانت مصاحبةً للمشاهد الرومانسية أو الهروب الدرامي أو المواجهة الهادئة فإن الموسيقى تجعلُ كل مشهدٍ ينبض بالحياة.

5

ملاحظتي الرئيسة على الفيلم، هي الزمن: فطوله -وإن كان مبررًا بثقل المادة الأدبية- قد يُثقل الإيقاع في بعض الأجزاء، خاصة في الفصل الأخير حيث تتسع دائرة الانتقام وتتشعب الخيوط السردية. شعور التمديد في بعض المشاهد كان يمكن تجنبه بقليل من القص الذكي دون الإخلال بالبنية، ومع ذلك، فإن إيقاع الفيلم في مجمله ينجح في الحفاظ على الترقب، خاصة بفضل البناء المتقاطع للمؤامرة، الذي يُغذي حافز المُشاهد لمعرفة الخطوة التالية.

أيضاً كان الاجدر بصناع الفيلم إبراز الجوهر العاطفي للقصة بشكل أكبر، إن هبوط “إدموند” في دوامة الهوس والانتقام هو أمر جذاب، ولكن الوزن العاطفي لرحلته قد يبدو أحيانًا منزوياً وراء البذخ البصري وميكانيكيات الحبكة.

في زمن تعجُ فيه دور العرض بعشرات القصص الخيالية المبهرجة، يعود “الكونت مونت كريستو” ليذكرنا بقدرة السينما على إعادة إحياء نصوص الأدب الكلاسيكي بمعالجة فنية ذكية توازن بين التقاليد والابتكار. فالفيلم لا يُقدم فقط سردًا للانتقام، بل يُعيد طرح سؤال الهوية: هل يُمكن للإنسان أن يعود كما كان بعد الظلم؟ وهل العدالة، حين تُمارَس خارج القانون، تظل عدالة أم تغدو جوراً؟

على مستوى السينما الفرنسية، يندرج الفيلم ضمن تيار جديد يسعى لإعادة تموضع الفيلم التاريخي في سوق المنافسة الدولية، من خلال إنتاجات ضخمة ذات بُعد إنساني وفني، تُذكرنا بما كانت عليه هوليوود في التسعينات حين كانت تقدم “زورو” و”الرجل ذو القناع الحديدي” و”روبن هود” قبل أن تغرق في نماذج الأبطال الخارقين النمطية.