في زمنٍ باتت فيه المؤثرات البصرية والصخب السينمائي يهيمنان على الشاشة الكبيرة، يأتي فيلم (أشياء صغيرة مثل هذه) للمخرج (تيم ميلانتس) رقيق و هاديء، كنسمة دافئة وسط عاصفة هوجاء، لكنها تدوم طويلًا في القلب والذاكرة. الفيلم الذي يستند إلى رواية قصيرة للكاتبة الأيرلندية (كلير كيجان)، يعيد إحياء واحدة من الفصول المطلمة في تاريخ إيرلندا الحديث، حيث يكشف عن شجاعة فردية تبرز في وجه قسوة جماعية. ومع أداء مميز للنجم (كيليان مورفي) -ومن انتاج شركته الجديدة Big Things Films – يجسد البطولة بروح مرهفة غارقة في صراع داخلي، يقدم الفيلم جماليات سينمائية تتغلغل في أعماق النفس وتحثّ المشاهد على التفكير مليًّا فيما يعني أن تحارب الظلم قولا و فعلاً.

1 1

رجل طيب واحد ضد مجتمع متخاذل

تدور أحداث الفيلم عام 1985 في بلدة إيرلندية صغيرة، حيث يعيش “بيل فورلونج” (مورفي)، تاجر الفحم الذي تسير حياته العادية بتفاصيل يومية متكررة. أب وزوج مخلص، يكافح مع زوجته “إيلين” (إيلين والش) لتربية بناته الخمس وسط شتاء قاسٍ، لكن حياته الروتينية تنقلب رأسًا على عقب عندما يكتشف الحقيقة القاتمة وراء إحدى المؤسسات التي كانت تديرها الكنيسة الكاثوليكية- وتحتجز الأمهات غير المتزوجات وتجبرهم على العمل القسري في ظروف قاسية لا إنسانية. عندما يلتقي ب”سارة” (زارا ديفلين)، شابة يائسة تطلب مساعدته في  الهروب، يجد “بيل” نفسه في مواجهة مع ذاته، وماضيه، وضميرِ مجتمعٍ جبان اختار الصمت.

3 2

سرد بصري يعبر عن المسكوت عنه

يتميز فيلم “أشياء صغيرة مثل هذه” بإتقانه لخلق الأجواء أكثر من الاعتماد على الحبكات المتشعبة. يتجنب المخرج المبالغات الدرامية لصالح كاميرا تراقب برهافة، وتلتقط التفاصيل الصغيرة التي تحمل المعاني مابين ذكريات مؤلمة و حاضر أكثر ألماً. مثلما يترك الفحم أثرًا أسود على الجدران، يترك الفيلم وصمة في قلب المشاهد، تذكيرًا بالثمن الباهظ الذي يدفعه الناس مقابل اللامبالاة. تتجلى هذه الرمزية في مشهد يتكرر فيه غسل بيل ليديه من غبار الفحم، وكأنما يحاول عبثًا التخلص من وصمة ذنب المجتمع بأسره.

5 4

الأداء الصامت وصوت الصراع الداخلي

مرة أخرى، يثبت (كيليان مورفي) أنه واحد من أفضل ممثلي جيله. بعد أدائه الرائع في “أوبنهايمر” الذي نال عنه الأوسكار، يأتي بأداء أكثر هدوءًا وعمقاً و حساسية، تفيض نظراته وحدها بحكايات من الألم والكفاح، حيث يعبر وجهه الصامت أكثر مما يمكن أن تقوله أي كلمات.

 الأداء الجسدي لمورفي—من انحناء كتفيه إلى خطواته الثقيلة وحركاته المترددة—يعكس رجلاً مثقلًا بعبء ضميره وجروح ماضيه. مع أن القصة تركز على الصراع الداخلي الذي يعيشه “بيل”، إلا أنها تتناول أيضًا موضوعًا أكثر شمولية يتعلق بتواطؤ المجتمع. هنا، يتجلى الصمت الجمعي في شخصية زوجته “إيلين”، التي تفكر ببراجماتية في مصلحة عائلتها و مستقبل بناتها -مثل الجميع- حين تنصح زوجها ببرود: “إذا كنت تريد المضي قدمًا في هذه الحياة، فعليك أن تتجاهل أشياء كثيرة”، لكن البطل الحقيقي لا يستطيع التجاهل.

4 7

رغم عمق الفيلم وإنسانيته، قد يجد بعض المشاهدين أن وتيرته البطيئة و سرديته الباردة نوعاً ما تشكل تحديًا لصبرهم. كذلك، هناك شعور بأن بعض الشخصيات، خاصة شخصية “إيلين” و”سارة”، لم تحصل على مساحة كافية للكشف والتطور رغم الأداء القوي من طاقم التمثيل.

حظي الفيلم بكثير من الإشادات النقدية لم تكن كافية لإيصاله إلى جوائز الاوسكار أو البافاتا، مع أن القصص المؤثرة التي التي تستهدف سطوة المؤسسات الدينية، يُتوقع عادة أن تكون حصانا أسود في موسم الأوسكار. نعم فيلم “ أشياء صغيرة مثل هذه” متواضع في حجمه وحكايته، لكنه ثقيل في وزنه الأخلاقي، ففي قلب الفيلم تسكن تساؤلات عميقة حول الشجاعة و معنى العدل، يطرحها بهدوء كدعوة للتأمل في الأفعال الصغيرة التي قد تغير مسار العالم، ولو بشكل خفي بعيدًا عن الأضواء.