عمر محمد بركات
لو صح أن نشبه فن العَمارة بفن الموسيقى ، فإن فيلم “القاسي The Brutalist” هو سيمفونية افتتاحية منقوشة على الإسمنت وشرائط السينما. عمل سينمائي جاد وطَموح، يعلن عن نفسه كصرح فني يعكس تصميم صانعه لبناء أثرٍ خالد، حتى إن لم يصمد أمام ضغط طموحه الجارف. أخرجه “برادي كوربي” وشاركته الكتابة شريكته النرويجية (مونا فاستفولد) في ملحمة تاريخية تمتد لـ215 دقيقة، صُوّرت أغلبها على شريط 70 ملم بتقنية- VistaVision –آخر فيلم تم تصويره بها في السبعينات- في عودة تقنية سينمائية فخمة لا يمكن تجاهلها، تعلن بصوت عالٍ أن “كوربي” يطمح لمكانةٍ بين عمالقة السينما. ورغم فخامة الصورة وضخامة الفكرة، فإن فيلم “القاسي”ينتهي كأثر جمالي خلاب لكنه مفكك: يُبهر بصريًا، لكنه يفتقر للأثر العاطفي وتماسك السرد.
عنوان الفيلم The Brutalist لا يُقصد به القسوة أو العنف كما قد يوحي المعنى الحرفي، بل هو إشارة مباشرة إلى نمط معماري معروف باسم “العمارة القاسية Brutalism“، ظهر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية كردّ فعل على الدمار الذي خلّفته الحرب، إذ سعى المعماريون لبناء شيء صلب، عملي وصادق. يُعرف هذا الأسلوب باستخدام الخرسانة المكشوفة، والتصميمات الضخمة والقاسية بصريًا، التي تُعبّر عن المباشرة، الصلابة، والوظيفية دون تزيين أو تلطيف.

لكن في هذا الفيلم، لا يُمثل “القاسي” أسلوب البناء الذي انتهجه البطل، بل يعكس شخصية “لازلُو توث” نفسها. فكما تُشيَّد المباني القاسية من مواد خام تُظهر حقيقتها بلا تجميل، فإن “لازلُو” رجل مبني على جروحه، يعيش في صمت يثقله الماضي والخسارة. يبدو “قاسياً” من الخارج، لكنه من الداخل مليء بالتصدعات التي لا تُرى بالعين، فالعنوان هنا يعمل كاستعارة مزدوجة: “القاسي” هو العمارة و المعماري في آن معاً. كلاهما يقف شامخًا في وجه الدمار، يحاول أن يبني شيئًا نقيًّا في عالم مشوّه، لكن دون أن ينجو تمامًا من أثر الخراب.
في صميم الحكاية نجد أداءً ممتازاً من الأوسكاري (أدريان برودي) في دور “لازلو توث”، المهندس المعماري المجري اليهودي وناجي الهولوكوست، الذي يصل بعد معاناة إلى (فيلادلفيا) بعد الحرب. يستقبله ابن عمه “أتيلا” (أليساندرو نيفولا)، لكنه يظل أسير حزنه العميق، منهكًا من فراق زوجته “إرزيبيت” (فيليسيتي جونز) العالقة على الحدود النمساوية مع ابنة شقيقته “زوفيا” (رافي كاسيدي) الصامتة. وحين يتلقى “لازلو” عرضًا من صناعي ثري يُدعى “هاريسون لي فان بورين” (غاي بيرس) لتصميم مركز مجتمعي في ولاية (بنسلفانيا) يرى فيه فرصة لبناء شيء جديد، بل وربما لإعادة بناء سُمعته وذاته المُنهارة.
ما يُقدّمه الفيلم ليس مجرد رحلة إعادة إعمار ذاتي، بل هو تأمل فلسفي في الصدام بين ريشة الإبداع ومطرقة الرأسمالية، بين العبقري والمادي، بين الماضي الذي لا يُمكن محوه والحاضر الذي يطالبنا بالاندماج والتكيف. هو فيلم عن كيف يُعاد تشكيل الإنسان حين يحاول الواقع محوه، سواء عبر التهجير أو الحرمان أو تقادم الزمن.

انتاج ضخم و تصوير مُبهر وتمثيل مُتقن
فلنبدأ بالجوانب المضيئة، لأن The Brutalist حين يُحسن العزف، يُغرقنا في حالة من الابهار السينمائي، في المقدمة يأتي (أدريان برودي) الذي يُقدم هنا أفضل أدواره منذ عازف البيانو (The Pianist). جسده المنطوي على نفسه ، وجهه المرهق، صوته المُنهك، كل تفصيلة تنطق بالحياة التي عاشها “لازلو” وبرودي، الذي ينحدر في الحقيقة من أصول يهودية بولندية – هنغارية، يضخ في الشخصية شيئًا عميقًا وشخصيًا. وقد ذكر في مقابلاته أنه استلهم تجربته من رحلة هجرة جده والد أمه المجري، مما أضفى على أدائه صدقًا حقيقيًا وملموسًا.
(فيليسيتي جونز) بدور “إريزيبيت” تترك أثرًا قويًا، بأداء شفاف يحكي عن نفسه. شخصيتها يكشفها الصمت، أكثر مما تكشفها بالكلمات. منذ ظهورها الأول في الفيلم في مشهد لم شملها مع زوجها “لازلو” استحوذت على انتباه المُشاهد حتى مشهد المواجهة مع “فان بورين”. أما (أليساندرو نيفولا) فيقدّم من خلال شخصية “أتيلا” معالجة مباشرة لفكرة الاندماج اليهودي، بينما يلعب (غاي بيرس) دور الصناعي الأمريكي ببراعة وبراجماتية، كأنه “غاتسبي” يجمع المعماريين كما يجمع التحف النادرة.
على الصعيد البصري، الفيلم مُذهل. صُوّر بتقنية قديمة كانت رائجة في منتصف القرن الماضي وعُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان فينيسيا ليفتتح جوائزه بالأسد الفضي، ليستحضر من خلالها الماضي لا فقط بالمكان، بل بحجم الرؤية وعلى حد قول المخرج ” كانت أفضل طريقة للوصول إلى [خمسينيات القرن العشرين] هي التصوير على شيء تم تصميمه في نفس العقد”. مدير التصوير (لول كراولي) يرسم كل مشهد كما يفعل المعماري مع مخططاته—الفراغات الداخلية قاسية وجامدة، والخارجية تفيض بكآبة زمن ما بعد الحرب. لقطات المركز المجتمعي الذي يبنيه “لازلو” وهي تنهض عمودًا تلو عمود، تبدو كأنها صرح أسطوري حديث.

مبنى مهيب يخفي شروخاً تحت السطح
ومع ذلك، ورغم جمالية الشكل، يتعثر الفيلم لا بسبب غياب الرؤية، بل بسبب ثقلها الزائد.إن أول ما يلفت الانتباه هو الطول المفرط. مدة ثلاث ساعات ونصف مع استراحة في المنتصف تبدو أقرب إلى استعراض فني من كونها ضرورة درامية. صحيح أن هناك أفلامًا طويلة قدّمت تجارب مُرضية مؤخراً مثل (The Irish Man)، لكن “القاسي” كان قاسياً أيضا في طوله ويفتقر إلى الديناميكية السردية التي تُبرر امتداده، كان يمكن إزالة 30 دقيقة على الأقل من المشاهد المطولة دون أن يتأثر الفيلم.
أيضاً مسارات الحكاية تتشتت، وبعضها يختفي دون إغلاق. علاقته بابن عمه “أتيلا” وزوجته، قضية صمت “زوفيا”، التي طُرحت كمنحنى عاطفي مهم، تتلاشى فجأة بدون تبرير. كما أن تحول “لازلو” لإدمان الهيروين يُذكر عرضًا، دون الغوص في تبعاته أو دوافعه.
الشرخ الأخطر هو عدم توازن النغمة في الفصل الأخير. الانزلاق المفاجئ والغير مبرر إلى الميلودراما الفجة—مع مشهد صادم في فينيسيا—يشعرنا بأن الفيلم فقد بوصلته. كأن (كوربي) لم يقرر بعد ما إن كان يصنع ملحمة على غرار (Once Upon A Time in America) أم مأساة صادمة من وحي (Sophie’s Choice) هذا الارتباك يشتت المشاهد ويضعف أثر النهاية.
ورغم أن الفيلم يطرق أبواب قضايا عميقة – الصدمة النفسية، الهوية، استغلال الفن من قِبل رأس المال – إلا أنه في بعض اللحظات يبدو منشغلًا بالقشرة أكثر من الجوهر، بالصورة بدلاً من الحكاية. كما قال ناقد مجلة The Film Verdict، عن الفليم أنه “يستغرق وقتًا طويلًا ليطرح أفكارًا بسيطة عن صراع الرجال، وسلطة المال، والتوتر بين الفن وعالم الأعمال، ومعاداة السامية المبطنة في أمريكا ما بعد الحرب.” قضايا مهمة بلا شك، لكنها لا تُقدَّم بالعمق أو الحداثة التي يوحي بها الشكل.

بين معاناة الاغتراب واستنزاف المأساة
بالنسبة للمشاهد العربي—الذي عرف معاني التهجير والخذلان والبحث عن الذات في فضاءات الغربة—قد يجد في الفيلم مرآة تنعكس فيها ملامحه. لكنه، مثلي، قد يعجبه الفيلم شكلياً و ليس جوهرياً للأسباب التي ذكرتها، و أيضاً لأن كثرة الأفلام التي تستثمر في مأساة الهولوكوست والبكائيات اليهودية قد استنفذت تأثيرها، حتى باتت المعاناة التي كانت مرجعية ومثلاً للظلم و الاضطهاد، تمر اليوم كصدى بعيد فقد قوته من فرط التكرار، أو لأن ضحية الأمس أصبح جلاد اليوم.
خلاصة القول، “القاسي” هو عمل جريء لكنه غير مكتمل، وتجربة مشاهدة لمرة واحدة، هو نصف فيلم مُتقن—النصف الأول على وجه الخصوص—يليه نصف ثانٍ يتعثر تحت ثقل تطلعاته، أو كما عنونت مراجعة Vanity Fair عن الفيلم : ” The Brutalist Is Half a Masterpiece”، “لازلو توث” هو رجل يحاول أن يبني شيئًا نقيًا في عالم ملوّث، و “القاسي” مثل بطله، عمل نبيل لكن مشوّش ومصطنع في أحيان، كان طُموحه أن يعانق السماء، لكنه أخلد إلى الأرض.

