عمر محمد بركات

ثمة نوع من الإرهاق لا يتسلّل إليك من يومٍ طويلٍ واحد، بل من تكرار أيامك الرتيبة و المجهدة. وهناك، تحديدًا، نلتقي بـ”أنجيلا”، بطلة فيلم المخرج (رادو جود) الجامح والمتخم بالسخرية اللاذعة، بطلة (لا تتوقّع الكثير من نهاية العالم Watch Do Not Expect Too Much From the End of the World) تؤديها (إيلينكا مانولاكي) بأداء يجمع بين الغضب الجذاب والتهكم الحاد؛ أنجيلا ليست مجرد شخصية تسكن عالمها، بل تجرّه خلفها كما تجرّ عربة مهترئة على طريق مليء بالمطبات.

2 16

يمثل الفيلم ترشيح رومانيا الرسمي لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي 2024، وقد عُرض لأول مرة في مهرجان لوكارنو السينمائي حيث حصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة، ومنذ ذلك الحين وهو يثير جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور على حد سواء، بسبب نبرته القاسية، بُنيته الفوضوية، ونقده الجريء للرأسمالية والإعلام والثقافة الرقمية.

تدور أحداث الفيلم خلال يوم عمل واحد من حياة “أنجيلا”، وهي مساعدة إنتاج أفلام وسائقة أوبر كعمل إضافي، تتنقل في شوارع (بوخارست) الرمادية المزدحمة، نشاهد عالمها بتباين حاد بالأبيض والأسود. مهمتها الرئيسية: تسجيل مقاطع تجريبية لموظفين سابقين من ذوي الإعاقة، لاستخدامها في فيديو توعوي تطلبه شركة أثاث نمساوية لتجميل صورتها. المفارقة أن هؤلاء هم ضحايا النظام العمالي ذاته الذي تسعى الشركة الآن إلى تلميعه تحت شعار “التمثيل المتنوع – Diverse Representation”

3 11

وفي خضم ذلك، تتحوّل أنجيلا بين الحين والآخر إلى شخصية “بوبّيتا”:  كيان كاريكاتوري ساخر أنشأته عبر تيك توك، باستخدم الفلاتر تُمثل شخصية رجل ، في محاكاة تهكمية لأمثال “أندرو تيت” ومن يشبهه في فضاء الإنترنت من الشخصيات الغارقة في ذكوريتها. عند تقمصها لـ”بوبيتا” تتحرر كلياً فتلدغ وتدغدغ، مزعجة ومضحكة معاً.

يُعقّد المخرج (جود) السرد أكثر من خلال دمج مشاهد من فيلم “أنجيلا تمضي قدماً” (1981) للمخرج (لوتشيان براتو) الذي تناول “أنجيلا” أخرى، سائقة تاكسي تجوب شوارع (بوخارست) في الثمانينات في عهد الديكتاتور (تشاوشيسكو). هذه المقاطع ليست مجرّد استدعاء بصري، بل صدى تاريخي ذكي. (دورينا لازار ) الممثلة التي أدت الدور الأصلي لأنجيلا، تظهر أيضاً في الوقت الحالي أيضاً  كأم لـ”أوفيديو”، العامل المصاب الذي يتم اختياره لبطولة الفيديو التوعوي.

4 10

وفي المشهد الختامي الممتع – لقطة واحدة مستمرة على مدى 40 دقيقة – نشهد تصوير الفيديو التوعوي لحظة بلحظة. “أوفيديو” المُقعد والمتوجّس ريبة، يُعاد تشكيل شهادته عن الإهمال المؤسسي تدريجياً، حتى تتفرغ من معناها، ويجد نفسه في النهاية يحمل بطاقات خضراء فارغة، تُركّب عليها لاحقاً الرسائل التي تريدها الشركة، بينما يختفي صوته تماماً.

(إيلينكا مانولاكي) تقدم أداءً احترافياً لتحجز لنفسها مكاناً في السينما الرومانية الجديدة. تمسك مفاصل الفيلم من أوله إلى آخره بحيوية وإنهاك، مع حاجتها الماسة للنوم تُحافظ على توازن دقيق بين الغضب و الظرافة، التهكم والضعف. سواء كانت، ترافق أمها للمقبرة، تبصق في طعام مديرها، تواسي عاملاً مقعداً، أو تقابل حبيبها في السيارة، تبقى على تناغم مع نفسها وواقعها.

5 7

(جود) أثبت أنه صانع أفلام ذكي و مُجدد، خصوصاً في ربط الشكل بالمضمون. التصوير الأبيض والأسود، بإدارة مدير التصوير (ماريوس باندورو) يجعل من (بوخارست) مدينة بلا نبض ولا لون، مناطق رمادية صامتة كأنها خارج التغطية. أما الموسيقى التصويرية، المكونة بمعظمها من إذاعة السيارة، فتبدو وكأنها مجرد ضوضاء يومية، لكنها لاحقاً تكشف عن كونها وسيلة هروب من الضجيج الداخلي، فما يبدو متعة سطحية، هو في الحقيقة آلية بقاء.

الفيلم مليء بالحوارات العصرية المُسلية، نجد أن السخرية في هذا الفيلم ذات توتر عالي، خاصة من شخصية “بوبّيتا”، مع أنها بشعة ومثيرة للنفور، تُجسد فجور الفرد في العصر الرقمي، لكن “أنجيلا – ملاك” تستخدمها كشكل من التمرّد الذي يدور في حلقة عبثية لدرجة يصعب تمييز الساخر عن ما يسخر منه، هنا يُلقي (جود) علينا سؤالاً مهماً: هل لا تزال السخرية قادرة على التأثير، في عالم صار الواقع فيه أكثر بجاحة من أي خيال؟ . إذا قارنا هذا العمل بفيلمه  السابق، يبدو هذا أكثر انضباطاً على المستوى الإخراجي، وأكثر اتساعاً من حيث القضايا. كأن (جود) قد صقل أدواته، لكنه قرر أن ينحت على جدار أكثر تصدّعاً وتعقيداً. وهذا جزء من سحر الفيلم… ومن مخاطرته.

6 2

إن حرية الطرح التي أتاحها سيناريو الفيلم تسببت -كضرر جانبي لا مفر منه- ببعض من التضخم الفكري الذي -رغم جاذبيته- يتسبب في تخفيف التعاطف مع الأحداث، فبعض المشاهد الجانبية، ومقاطع “بوبّيتا”، تأخذ الفيلم في مسارات ملتوية قد تبدو مقصودة لذاتها أحيانا و أحيانا لغرض التباهي. أيضاً مدة العرض، التي تقارب ثلاث ساعات، ستُرهق حتى أكثر المشاهدين صبراً، ورفض (جود) تقديم أي نوع من التفريغ العاطفي لنا كمشاهدين، قد يشعرنا بعدم الارتباط مع الشخصيات ولا يمنح المتلقي أي لحظة راحة أو تنفيس. هو أيضاً لا يُقدّم نهاية مغلقة، ولا انتصاراً واضحاً للخير، ولا لحظة عاطفية مريحة تشرح الصدر. العكس تماماً يُبقي المشاهد في حالة عدم ارتياح، حتى بعد انتهاء الفيلم.

“لا تتوقّع الكثير من نهاية العالم” ليس فيلماً سهل الهضم. بل دسم، متشعّب، ومُصادم في كثير من الأحيان، إنه عمل ذكي بالفعل لكن على نحو قاسٍ -مثل كابوس ليلة صيف- مُحمل بتأويل لاذع لنفاق واقعنا المعاصر، هذا العمل: يُنصت للناس، للمدينة، و للتاريخ. يُنصت للحقيقة حتى حين يصمّ العالم آذانه، إنه يخبرك الكثير عن عالم متناقض على شفى الهاوية يجدر بك “ألا تتوقع منه الكثير”.