عمر محمد بركات

يعود المخرج المعروف (كلِنت إيستوود) بفيلم “ المُحلَف رقم 2“، وهو دراما قضائية تجعلك تتساءل: ماذا يحدث عندما لا يكون اجتماع المحلفين بصدد مناقشة الذنب فقط، بل حين يخفي كل واحد منهم ذنبه الخاص؟ الفلم عبارة عن رحلة أخلاقية مليئة بالتوتر والمفاجآت. (نيكولاس هولت) في أحد أدواره الأكثر تعقيدًا، يقود البطولة بدور “جاستن كيمب”، الرجل الذي يجد نفسه عالقًا بين الواجب الأخلاقي والإنحياز للمصلحة.

القصة تشبه إلى حد كبير حبكة فيلم “12 رجل غاضب“، لكن مع تطور مفاجئ يقلب كل شيء رأسًا على عقب: حيث يدرك “كيمب” الرجل العادي الملتزم، أنه قد يكون هو القاتل في القضية التي يُفترض أن يَحكم فيها. كان يعتقد أنه صدم غزالًا في ليلة عاصفة، لكن مع تزايد الأدلة، تبدأ شكوكه تتسارع. بينما يناقش المحامون والمحلفون مصير المتهم جيمس سايث (جبرائيل باسو)، ، يتورط “كيمب” في صراع داخلي حول ذنبه الشخصي والمهنية القانونية كمحلف.

2 3

ينجح إيستوود -كعادته في أفلامه- بخلق مشاهد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف عن تعقيدات عميقة مع تطور الأحداث. وهذا الفيلم هنا لا يخرج عن هذه القاعدة. غرفة المحكمة والمحلفين تصبح بمثابة مرآة للمجتمع، تُظهر انحيازاتنا، ودوافعنا الأخلاقية، والصراعات الداخلية. كما عبر ناقد صحيفة “واشنطن بوست” ” بشكل متقن، الفيلم يضع أمامنا معضلة أخلاقية معقدة ثم يترك لنا المجال لمشاهدتها تتكشف أمامنا ببطء”.

الممثل الشاب (نيكولاس هولت) يقدم أداءً قويًا وجذابًا، حيث يتنقل بين مشاعر الضعف والصراع الداخلي في صمت مؤثر. صراع “جاستن” ليس فقط داخليًا، بل هو أيضًا صراع مع من حوله، حيث تُظهر كل حركة وتصرف أثر الذنب رغم تظاهره بمظهر المحلف الملتزم. (هولت) يجسد هذا التناقض بين أن تكون بطلاً وشريرًا -بالصدفة- في نفس الوقت، مما يرسخ شخصية مثيرة للاهتمام، محبوبة ومشبوهة في ذات الوقت و ويذكرنا أن أكبر خوف لدينا لا يأتي من الخارج دائماً بل قد يكون هو الشخص الذي ننظر إليه في المرآة.

4 5

أما (توني كوليت) في دور المدعية الطموحة “فيث كيلبرو”، فتضفي على الفيلم شدة وعنفوانًا بالتوازي مع ما يقدمه (هولت). مشهد المواجهة الأخيرة بينهما مشحونة بمشاعر متضاربة، حيث تُجسد كوليت الشخصية الطموحة التي لا تعرف التوقف في سعيها للعدالة، مهما كان الثمن.

(إيستوود) يواصل استكشافه للمواضيع التي اعتدنا أن نجدها في أفلامه: البطولة، الأخلاق، وعلاقة الإنسان بالنظام القضائي. مع بعض من لمسات هيتشكوك، حيث يزداد التوتر وتتشابك الأسئلة الأخلاقية شيئًا فشيئًا. في حين أن ديناميكيات غرفة المحلفين، مع شخصيات مثل “هارولد” الذي يؤديه جيه. كي. سيمونز، تجعل الأحداث أكثر تشويقًا.

3 1

رغم ثبات الفيلم، إلا أنه لا يخلو من بعض الثغرات. من الناحية البصرية، يبدو الفيلم أقرب إلى دراما تلفزيونية باهتة الإضاءة أكثر من كونه عرض سينمائي بميزانية مرتفعة – 30 مليون دولار – و مخرج كبير، وبالنسبة للموسيقى بسيطة و أقل من المأمول. يشعر المشاهد وكأنها مجرد خلفية أكثر من كونها عنصرًا عاطفيًا رئيسيًا.  أيضاً لم يتم استثمار الشخصيات الجانبية مثل “هارولد” -الذي يلعبه )سيمونز) في توجيه الحبكة بشكل أكثر جرأة، حيث تم الإيحاء بتطورات واعدة ثم قطعها بشكل مفاجئ. ثم تأتي النهاية بشكل غير متوقع تترك بعض الأسئلة بلا إجابة، مما قد يثير خيبة أمل لدى بعض المشاهدين الذين يبحثون عن حل واضح ومبرر بشكل كافِ..

على الرغم من بلوغه سن الـ94، لا يزال المبدع (إيستوود) يواصل تقديم أفلام تحفز التفكير وتثير النقاش. قد لا يصل “ المُحلَف رقم 2” إلى المستوى الأسطوري لفيلم “المغفور له” أو “غران تورينو” ، لكنّه يبقى تأملًا منطقياً في أولوية الذنب والعدالة وقدرة الإنسان على التبرير لنفسه.