عمر محمد بركات
في عالم الفن السينمائي، تتردد أصداء إبداعات صانعي الأفلام السابقين من خلال أعمال صانعي الأفلام المعاصرين، ويقوم الكتَاب و المخرجون باقتباس أساليب و استلهام أعمال المبدعين ودمجها بأساليبهم الفنية الخاصة إما بطريقة التكريم أو المحاكاة أو التأثُر، رغبة منهم بالإشادة بأعمال المعلمين الذين سبقوهم، حيث يعيدون مزج العناصر السينمائية، ويشكلون أعمالهم الخاصة التي تحمل بصماتهم و تأثير معلميهم في نفس الوقت.

التكريم : ثناء وتقدير لمعلمين سبقوا
التكريم Homage هو إشارة تقديرية لعمالقة السينما الذين مهدوا الطريق للأجيال القادمة. في السينما الأمريكية، يشتهر مخرجون مثل كوينتين تارانتينو، ومارتن سكورسيزي، وستيفن سبيلبرج بإتقانهم لفن التكريم.
يعد فيلم “Django Unchained” لكوينتين تارانتينو بمثابة تحية لأفلام السباغيتي الغربية، حيث يشيد بأفلام سيرجيو ليون الخالدة والمذهلة بصريًا. يضفي تارانتينو على الفيلم أسلوبًا مميزًا لهذا النوع من الأفلام، بدءًا من المواجهات الملحمية وحتى الموسيقى التصويرية المؤثرة للراحل Ennio Morricone.
وعلى نحو مماثل، يعد فيلم “Hugo” للمخرج مارتن سكورسيزي تحية صادقة لسحر سينما هوليود الكلاسيكية. تدور أحداث الفيلم في باريس في ثلاثينيات القرن العشرين، ويحتفل برواد الشاشة الفضية، من جورج ميلييه إلى هارولد لويد. من خلال صور مذهلة وسرد آسر، ينقل سكورسيزي المشاهدين إلى عصر السينما الغابر.
يعد فيلم “الذكاء الاصطناعي” لستيفن سبيلبرج بمثابة تكريم مؤثر لستانلي كوبريك، المخرج الأسطوري الذي وافته المنية قبل إكمال المشروع. يحتفي سبيلبرغ برؤية كوبريك وبراعته الحرفية، حيث يمزج بسلاسة بين براعته الإخراجية وأسلوب المعلم.
على المستوى الدولي، تبنى صانعو الأفلام أيضًا التكريم كوسيلة لتقدير أسلافهم السينمائيين. يعتبر فيلم “The Bride Wore Black” لفرانسوا تروفو كتحية امتنان لألفريد هيتشكوك، حيث يجسد التشويق والمكائد التي ميزت أفلام سيد التشويق. ويعرض فيلم “All About My Mother” للمخرج بيدرو ألمودوفار الميلودراما والكثافة العاطفية امتناناً لكلاسيكيات هوليوود وخاصة المخرج دوغلاس سيرك. أما فيلم “Fallen Angels” للمخرج ونج كار واي، فيتبنى أسلوب الموجة الفرنسية الجديدة، من خلال صوره الأنيقة وسرده غير الخطي الذي يعكس أعمال مخرجين مثل جان لوك جودار وفرانسوا تروفو.

و في السينما السعودية يمكن مشاهدة التكريم بوضوح في الفيلم الجميل أغنية الغراب على شكل لقطات مستوحاة من أعمال أساتذة السينما مثل لقطة سقوط الأدمغة المستوحاة من لقطة سقوط الضفادع في فيلم ماجنوليا لباول توماس أندرسون و لقطة المسرح الشعري المستوحاة من مسرح الأوبرا في فيلم طريق مولهولاند لأستاذ السينما الغرائبية ديفيد لينش.

المحاكاة: إعادة مزج العناصر السينمائية
المحاكاة Pastiche هو فن إعادة مزج العناصر السينمائية لخلق شيء جديد وأصلي. في السينما الأمريكية، يُعتبر المخرجون مثل الأخوين كوين، وكوينتين تارانتينو، وروبيرت رودريجيز هم أساتذة فن المحاكاة.
فيلم “The Big Lebowski” للأخوان كوين، هو تحفة فنية فريدة من نوعها تمزج بين عناصر فيلم النوار وروح الدعابة الساخرة التي يتميزان بها. بدءًا من بطل الرواية الغامض وحتى الحبكة المتشابكة، يقتدي بالأفلام البوليسية الكلاسيكية في الماضي بينما يصوغ هويته الفريدة ليصبح ظاهرة سينمائية لها مريدوها Cult.
أما فيلم “Pulp Fiction” لكوينتين تارانتينو وهو عبارة عن مجموعة متنوعة من مراجع الثقافة الشعبية، تمزج بين الأنواع وتقنيات سرد القصص مع ذوق جريء. بفضل السرد غير الخطي والموسيقى التصويرية الانتقائية، يتحدى الفيلم التصنيف، ويستمد الإلهام من مجموعة واسعة من المصادر، بدءًا من روايات الجريمة الملتوية وحتى سينما الموجة الفرنسية الجديدة.
أما فيلم “Planet Terror” للمخرج روبرت رودريغيز، وهو جزء من الفيلم المزدوج “Grindhouse”، فهو بمثابة محاكاة مُحب لما يسمى ب “سينما الاستغلال exploitation” الساذجة التي راجت في السبعينات. بدءًا من العنف الشديد إلى روح الدعابة الساخرة، يستعيد الفيلم أجواء أفلام الدرجة الثانية B movies بينما يغرس في هذا النوع طاقة وأسلوب رودريجيز المميز.
على المستوى الدولي، تبنى صانعو الأفلام أيضًا فن المحاكاة كوسيلة للتعبير الفني. على سبيل المثال فيلم “Breathless” للمخرج جان لوك جودار يعتبر مثالًا رائدًا على المحاكاة التجريبية الخلاقة، حيث يمزج عناصر فيلم النوار مع التقنيات الطليعية، و النتيجة ثورة سينمائية.

وفي السينما السعودية يتميز فيلم ناقة للمخرج الشاب مشعل الجاسر بمحاكاة أفلام رعب الطريق وما يسمى بأفلام ال Cult الأمريكية و دمجها مع الثقافة المحلية بحبكة ورمزيات مستوحاة من البيئة و المجتمع، وبرغم اختلاف الآراء حول الفيلم إلا أن موهبة مشعل تتجلى في هذا العمل بوضوح وتنبئ بظهور مخرج مثقف يتقن فن المحاكاة.

التأثير: تشكيل صانعي الأفلام في المستقبل
المحاكاة Pastiche هو فن إعادة مزج العناصر السينمائية لخلق شيء جديد وأصلي. في السينما الأمريكية، يُعتبر المخرجون مثل الأخوين كوين، وكوينتين تارانتينو، وروبيرت رودريجيز هم أساتذة فن المحاكاة.
لقد ساهم إتقان سبيلبرغ في سرد القصص وتصوير المشهد البصري في تشكيل أجيال من صانعي الأفلام الذين حذو حذوه و انتهجوا أساليبه، بدءًا من أعماله الرائدة في الأفلام الرائجة مثل “Jaws” و”Jurassic Park” إلى أعماله الدرامية الأكثر حميمية مثل “Schindler’s List” و”Saving Private Ryan”.
يمكن رؤية تأثير كوبريك الدائم على رواية القصص السينمائية في أعمال مخرجين مثل كريستوفر نولان، الذي تأثرت أفلامه مثل Inception وInterstellar بمهارة كوبريك الدقيقة ورؤيته الثاقبة. إن استخدام نولان للمؤثرات العملية والسرد غير الخطي يرجع الفضل فيه إلى أعمال كوبريك الرائدة في أفلام مثل “2001: A Space Odyssey” و”A Clockwork Orange”.
على المستوى الدولي، كان لصانعي الأفلام مثل أكيرا كوروساوا، وإنجمار بيرجمان، وفيديريكو فيليني تأثير عميق على تطور السينما. لقد أثرت أعمال كوروساوا الرائدة في سينما الساموراي على صانعي الأفلام في جميع أنحاء العالم، من جورج لوكاس إلى سيرجيو ليون. و أيضاً مهد استكشاف بيرجمان للشخصية الإنسانية الطريق لعصر جديد من السينما الفنية، وألهم مخرجين أوربيين معاصرين مثل لارس فون ترير ومايكل هانيكي. أيضاً تركت صور فيليني السريالية التي تشبه الحلم وقصصه الشعرية بصمة لا تمحى على المخرجين المعاصرين مثل مارتن سكورسيزي و تيري جيليام وديفيد لينش.

و في السينما السعودية نرى التأثر بعالم ديزني واضحاً في فيلم طريق الوادي باستعارة أجواء السحر الطفولية إلا أن صناع الفيلم -برأيي- سقطوا في فخ التقليد و لم يستطيعوا رسم هوية واضحة المعالم يمكن الاسترشاد بها أو البناء عليها مستقبلاً.
مجمل التكريم والمحاكاة والتأثير في عالم السينما، تعمل كخيوط حيوية تربط صانعي الأفلام عبر الأجيال والقارات. من الأعمال الشهيرة للمخرجين الأمريكيين إلى الابتكارات الرائدة للمؤلفين العالميين، تنعكس إبداعات عمالقة السينما من خلال أعمال صانعي الأفلام المعاصرين. وبينما نستمر في استكشاف و ملاحظة تأثر سينما بأخرى، نتوقع بفارغ الصبر مساهمات صناع الأفلام في السينما السعودية لإثراء ودمج الأساليب الفنية مع الثقافة المحلية للوصول إلى هوية سينمائية خاصة و متميزة.

