عمر محمد بركات
لطالما كانت الإعلانات مرافقة للشاشة الكبيرة والصغيرة منذ اختراع الكاميرا والصور المتحركة، حيث التقت مصالح المنتجين الذين يرغبون بتخفيض تكاليف الانتاج مع أصحاب العلامات التجارية الذين يرغبون بزيادة مبيعاتهم فكان أن تنوعت سبل الإعلان بين إعلانات مباشرة وإعلانات غير مباشرة، ومن الطريف ذكره في هذا الشأن: أن سبب تسمية مسلسلات الدراما النهارية باسم Soap Opera لأن أغلب المعلنين خلال فترة عرضها هي شركات الصابون و المنظفات.
ينتمي الإعلان الضمني “Product Placement” إلى التسويق غير المباشر “Implicit Marketing” ويعرف الإعلان الضمني بأنه: ظهور أي منتج تجاري أو علامة تجارية لفظيا أو بصريا ضمن عمل فني مثل الأفلام أو البرامج التلفزيونية سواء كان مدفوعا أم مجانياً.

كيف بدأ الإعلان الضمني في السينما
منذ ظهور السينما وزيادة شعبيتها بين الجماهير، انتبه أصحاب العلامات التجارية إلى قوة الأفلام ومدى تأثيرها على المستهلكين، ويعود تاريخ أول ظهور لإعلان ضمني مدفوع في الفيلم الأمريكي الصامت The Garage عام 1919 لشركة محطات Red Crown Gasoline، وكان أول ظهور لإعلان ضمني في فيلم فاز بجائزة أوسكار هو فيلم Wings عام 1927 حيث ظهرت إحدى منتجات الشوكولا من شركة هيرشي.
استمر ظهور الإعلانات الضمنية في الأفلام السينمائية بشكل خجول حتى بداية الخمسينات عندما دفع أصحاب العلامة التجارية Gordon’s Gin من أجل الظهور في الفيلم الكبير The African Queen من بطولة النجمين كاثرين هيبورن و همفري بوجارت.
إلا أن التحول الملحوظ في أهمية الإعلان الضمني كان مع اكثر أفلام الثمانيات شعبية E.T. the Extra-Terrestrial عام 1982 للمخرج ستيفن سبيلبيرغ حيث ظهرت حلوى Reese’s pieces من شركة هيرشي التي دفعت ما يقارب مليون دولار لمنتجي الفيلم من أجل الاستفادة من ظهور الشوكولا مع بطلي الفيلم، و الذي أدى إلى نجاح تجاري كبير حيث تضاعفت المبيعات في فترة عرض الفيلم و قدرت قيمة العائد من الاستثمار ب 15 إلى 20 مليون دولار و كان هذا النجاح الباهر دافعا للكثير من الشركات الكبيرة للإعلان عن منتجاتهم و علاماتهم داخل الأفلام.

تطور الاعلانات الضمنية في السينما : من ظهور خجول إلى سوق عالمي
في عام 1983 اشترت شركة كوكا كولا أستوديوهات كولومبيا العالمية و بالرغم من أنها لم تبالغ في ترويج منتجاتها في الأفلام التي أنتجتها كولومبيا إلا أن الغيرة دفعت شركة بيبسي لإطلاق حملة إعلاناتها الضمنية في الأفلام لتحصد النجاح الباهر مع فيلم Back to Future 2 الذي يعد من أهم أفلام الخيال العلمي الناجحة وقد شاركت شركة نايكي أيضا هذا النجاح بالظهور الأيقوني لحذاء نايكي الخيالي.
و مع انفتاح باب الإعلان الضمني على مصراعيه ظهر ما يسمى Brand integration أي تكامل العلامة التجارية مع الفيلم، وهو عندما تدفع شركة مبالغ كبيره لتظهر علامتها التجارية أو منتجاتها بشكل متعمد و مكتوب في السيناريو و يتكامل مع أحداث الفيلم و أبطاله كما فعلت: ماكدونالدز في فيلم Mac & Me عام 1988 و شركة الألعاب نينتيندو في فيلم The Wizard و أيضا فيلم Career Opportunities عام 1991 الذي تدور قصته في معارض شركة تارجت و لا ننسى النجاح الباهر لسيارات BMW في أفلام جيمس بوند و أيضا نجاح حملة أبل الإعلانية في أفلام النجم توم كروز Mission Impossible بجزئيه الأول والثاني.
ومع زيادة تكاليف الإنتاج في نهاية التسعينات وبحث المعلنين عن سبل إعلانية أقل تكلفة وأكثر نجاعة، ازداد الطلب على الإعلانات الضمنية وتحولت تدريجيا إلى صناعة مهمة بلغ حجمها 8 مليار دولا واستمرت في النمو سنوياً، وتقدر قيمتها عام 2021 بحوالي 23 مليار دولار بزيادة تقدر 14% عن سنة 2020، ويتوقع خبراء التسويق أن يتوالى الارتفاع في سوق الإعلانات الضمنية على حساب الإعلانات التقليدية التي تضاءل تأثيرها بسبب عزوف المشاهدين عن التلفزيون وعدم رغبتهم بمشاهدة الإعلانات التقليدية (90% من مستخدمي اليوتيوب يتجاهلون الإعلان في بداية الفيديو) وأيضا بسبب انتشار خدمات بث المحتوى مثل نتفليكس وأبل تي في وغيرها.

الإعلان الضمني في الأفلام أثبت نجاحه في كثير من التجارب
كما ذكرنا سابقاً: الإعلان الضمني إما أن يكون لفظيا أو مرئيا أو كلاهما معا، وليس للإعلان الضمني ميزانية محددة فهو يتفاوت بسبب عوامل عديدة مثل حجم الانتاج والنجوم المشاركين والشركة المنتجة ومدة الظهور وغيرها، هناك الكثير من الشركات التي تدفع مبالغ ضخمة للإعلان الضمني في الأفلام المشهورة مثل سلسلة جيمس بوند، على سبيل المثال دفعت شركة Heineken الهولندية 45 مليون دولار للظهور في فيلم جيمس بوند و الاستفادة من شخصية البطل في إعلاناتها، و أيضا دفعت BMW للظهور في 3 أفلام من ذات السلسلة في التسعينات ما يعادل 110 مليون دولار ثم تلتها شركة السيارات الرياضية Aston Martinالتي استثمرت أكثر من 140 مليون دولار للظهور في أفلام بوند التالية مع بداية الألفية.
كذلك لا يمكننا الحديث عن الاستثمار العالي والناجح في الإعلانات الضمنية بدون ذكر سيارة كامارو الصفراء التي كانت أحد أبطال سلسة Transformers بإدارة المخرج مايكل باي وكان تأثير حملة كامارو الإعلانية الضمنية كبيرا حيث كانت شركة جنرال موتورز تعاني اقتصاديا و كانت زيادة مبيعاتها واضحة حيث باعت 80 ألف سيارة في سنة 2008 و 100 ألف في السنة التي تليها، و أيضا لا يمكن نسيان مشاركة سيارات ميني كوبر -العلامة البريطانية الشهيرة- في فيلم المطاردات The Italian Job و الذي تسبب في زيادة مبيعات الشركة 20% في سنة 2001 و كلف الشركة 25 سيارة تم استخدامها في الفيلم.
وهناك العديد من الأمثلة عن إعلانات ضمنية ناجحة لم تكلف الشركات شيئا مثل ظهور شعار شركة النقل العالمية فيديكس وأيضاً الكرة البيضاء الشهيرة “ويلسون” من شركة ويلسون الرياضية في فيلم Cast Away مع الممثل الشهير توم هانكس، و أيضا النجاح الباهر لنظارات Ray Ban مع الممثل توم كروز في فيلميه Risky Business عام 1983 و فيلم Top Gun عام 1986 الذي كان سببا في رفع مبيعات الشركة عدة أضعاف و جعلها علامة متميزة في الثقافة الشعبية الامريكية و العالمية.

جوانب إيجابية التي تجذب الشركات والمنتجين للإعلان في الأفلام
هناك الكثير من الأسباب التي تدعوا الشركات للجوء إلى الإعلانات الضمنية مثل زيادة المبيعات والوعي بالعلامة التجارية، وأيضا تكلفتها أقل من الإعلانات التقليدية، كذلك الانتشار عالميا، والاستمرارية على المدى الطويل لأن عرض الفيلم سيستمر على شبكة الانترنت بعد خروجه من السينما، كذلك ارتباط المُنتَج بالنجم المشهور، وأخيرا فإن استهداف جمهور فيلم معين يزيد من تأثير الإعلانات على المشاهدين.
أما منتج الفيلم فأحد أهم الأسباب التي تدفعه لجذب الإعلانات الضمنية للمشاركة في أفلامه هو تخفيف تكاليف الإنتاج وإمكانية استثمارها في الصوت والصورة لرفع جودة الفيلم، وأيضا جذب جمهور العلامة التجارية لمشاهدة الفيلم وفي كثير من الأحيان يساعد ظهور العلامات التجارية بجعل الفيلم أكثر واقعية.
لا يمكن انكار قوة الإعلانات الضمنية وأنها أصبحت خيارا تسويقيا لا يستهان به مع تراجع سطوة الإعلانات التقليدية، إلا أنها سلاح ذو حدين يمكنه التأثير سلبياً على العلامة التجارية بسبب صعوبة التحكم بكيفية ظهور المنتج أو العلامة كما حصل مع حملة Reebok التي ظهرت بشكل سلبي نوعا ما في فيلم توم كروز الكوميدي الناجح في التسعينات Jerry Maguire و أيضا إمكانية تأثيرها سلبا على جودة الفيلم في حال كانت واضحة كثيرا و تم استخدامها بشكل مبالغ فيه، وهذا بالضبط ما عبر عنه خبير التسويق الأمريكي Erwin Ephron بما سماه معضلة الإعلان الضمني قائلا “إن لاحظت الإعلان فهو سيء، و إن لم تلاحظه فلا قيمة له”.

