عمر محمد بركات

إذا كنت من متابعي أعمال المخرج – الكاتب المستقل (شون بيكر)، تلاحظ أن أفلامه ليست ترفيهية في الغالب، بل يغلب عليها طابع اجتماعي عميق، تعرض شخصيات واقعية وتنتقد بعض جوانب المجتمع الأمريكي من خلال عدسة فنان و منظور مختلف. من شوارع (لوس أنجلوس) في “تانجيرين” إلى موقع التصوير الواسع في “ريد روكيت”، يمتلك (بيكر) القدرة على إيجاد الجمال في الزوايا المهملة من الحياة المحلية لأشخاص مهمشين. وفيلمه الأخير “أنورا” ليس استثناءً. ولكن على عكس أفلامه السابقة التي بدت وكأنها تحت السيطرة الكاملة برؤية المخرج، نجد أن “أنورا” في بعض اللحظات ينحرف عن مساره المعتاد، حيث يفقد بعض من عمقه الأصلي لصالح نغمة أكثر بهجة وجاذبية، و لكن أقل ابتكاراً، وهذا ما أوصله بعيداً هذه المرة.

11 4

تدور أحداث “أنورا” حول “آني” التي تؤدي دورها (ميكي ماديسون)، وهي شابة أمريكية من أصل روسي في الثالثة والعشرين من عمرها، تعمل كراقصة في نادي تعري فاخر في مدينة نيويورك. تملك “آني” شخصية قوية، صقلتها سنوات من العيش على هامش المجتمع، لكنها في الوقت نفسه لديها طموحاتها كإمرأة، وعندما يدخل “إيفان” (مارك إيديلشتاين) إلى النادي وهو شابٌ روسي من عائلة فاحشة الثراء، عارضاً عليها أمواله مقابل مرافقتها له، لا تتردد آني في القبول، ما يبدأ كعلاقة جنس-مال سريعة يتحول إلى منحى غير متوقع، حينما يطلب “إيفان” يدها للزواج، لتجد “آني” نفسها أمام فرصة العمر للارتباط برجل شاب وسيم و ثري -أحبته- مما يفتح الباب أمام مغامرة لم تكن بالحسبان.

يقدم فيلم “أنورا” مزيجًا من التراجيديا والكوميديا السوداء التي تعالج موضوعات الطبقات الاجتماعية، والامتيازات، ومدى استعداد الأشخاص للذهاب إلى أبعد حد للهروب من ظروفهم، إن قدرة (بيكر) على تسليط الضوء على التفاصيل الدقيقة تستحق الإشادة، خاصةً عندما يتعلق الأمر بتصوير النساء المهمشات، وسطحية الطبقة الثرية ، من مشاهد النادي الراقص المفعمة بالحيوية والحركة و الألوان، مروراً بعالم “إيفان” الفاخر الغارق في وحل الحرية المُفرطة وصولاً عالم العصابات الداكن، وراء ذلك كاميرا (درو دانيلز) التي أضافت بُعدًا إضافيًا من التأثير على الأحداث، فهي تدور وتنساب بين هذه العوالم المتباينة، مُلتقطة لحظات التصاعد العبثية للفوز بالثروة و نزوة الشهوة، والوعود البراقة للحلم الأمريكي الذي تحوّل في النهاية إلى كابوس.

3 14

لكن مع تقدم السرد، يبدأ الفيلم في فقدان بعض من حيويته، بينما النصف الأول من “أنورا” كان بمثابة عرض مبهر مليئ بالحفلات اللامعة، والطائرات الخاصة، والعواصف الرومانسية، يتجه النصف الثاني نحو مطاردة مستمرة تبدو بعيدة عن الأسلوب المعتاد لـ”شون بيكر” في السرد الملاحظ (Observational Storytelling) : حيث يعتمد على تصوير الأحداث والشخصيات بطريقة واقعية ويتجنّب الحوارات المبالغ فيها أو الحبكات المفتعلة، ويركّز بدلًا من ذلك على تفاصيل الحياة اليومية، مثلاً: عندما يرسل والدا “إيفان” الروس الأثرياء رجالهما للبحث عن ابنهم وإبطال الزواج، تجد “آني” نفسها عالقة في صراع كوميدي،  أحداثُه فكاهية وعبثية مُمتعة في البداية، تبدأ مع مرور الوقت في الظهور كأنها مفتعلة، ليحل محل الأجواء الجذابة التي كانت تميز الفيلم في البداية سلسلة من الحركات الجسدية والصراخ الأهوج.

من بين نقاط ضعف الفيلم برأيي هو تصوير شخصياته الثانوية، خاصةً الرجال الروس (تورس، غارنيك، وإيغور)، الذين يظهرون كشخصيات كاريكاتورية. تصرفاتهم قد تكون مُسلية في بعض الأحيان إلا أنهم لا يحققون العمق المطلوب بل مجرد أدوات سردية. في سياق مختلف، ربما قد تنال أفعالهم إعجاب الجمهور ، ولكن في هذا السياق، تجد هذه الشخصيات تشوش المشهد مما يختزل ما بدا أنه نقد جاد للطبقية الاجتماعية إلى مجرد مشهد كوميدي يشبه أفلام (ويل فاريل) أو (جيم كاري).

4 11

هناك أيضًا شعور مزعج بأن رحلة “آني” لم تتطور بالشكل الكافي، ففي البداية ظهرت  كامرأة شابة واثقة وقوية تواجه تحديات الحياة في عالم (نيويورك) السفلي، لكن مع نهاية الفيلم، نجد أن تحولها يبدو أكثر تأثرًا بما يفرضه السيناريو من تطورات، بدلاً من أن يكون ناتجًا طبيعيًا عن رحلة شخصيتها. إن انحدار آني من المرأة التي كانت قادرة على فرض سيطرتها في نادي الرقص إلى مجرد قطعة في لعبة إيفان ووالديه يثير الإحباط، وكأن السرد في الفيلم مصمم بنية طارئة وليست مبيتة، لتحويلها إلى ضحية لصراع الطبقات بدلاً من تعقيد شخصيتها في سبيل تقديم فكرة أخلاقية نبيلة.

على الرغم من هذا التحليل النقدي، يظل “أنورا” فيلمًا يستحق المشاهدة بفضل الأداءات الرائعة، (ميكي ماديسون) تقدم أداء العمر في دور “أنورا”، موهبتها ساعدت على دفع الفيلم للأمام حتى في اللحظات التي يبدأ فيها السرد في التراجع، تجسيد (ماديسون) لشخصية “آني” طبيعي وجذاب فهي تمزج بين شخصية بنت بروكلين القوية وسندريللا الضعيفة، أما (مارك إيديلشتاين) رغم قلة خبرته، يملك جاذبية فطرية تناسب دوره كوريث روسي مدلل وساذج. ومع أن الشخصيات المساندة تبدو أحادية الأبعاد، فإن الكيمياء بين (ماديسون) و(إيديلشتاين) تحافظ على تماسك الفيلم، حتى حينما يتجه نحو اللامعقول.

5 1

أثار فيلم “أنورا” جدلاً نقدي وجماهيري، إلا أنه حظي باستقبال حافل في المحافل السينمائية الكبرى، وعلى رأسها مهرجان كان السينمائي لعام 2024، حيث فاز بجائزة السعفة الذهبية، في مفاجأة أشعلت النقاش بين جمهور النقاد والسينمائيين. وقد اعتُبر هذا الفوز تتويجًا وتكريماً لأسلوب (شون بيكر) الذي يواصل كسر القوالب التقليدية وأيضاً تتويجاً جديداً للسينما الأمريكية المستقلة منذ فيلم Pulp Fiction، وهناك من يرى أن لجنة التحكيم بقيادة المخرجة الأمريكية (جريتا جيرويج) تحيزت بشكل واضح لموضوعات النساء و الأفراد المهمشين.

امتد تأثير “أنورا” إلى موسم الجوائز الأمريكي، حيث شق  طريقه إلى ترشيحات الأوسكار، وحصد خمسة جوائز من ضمنها أوسكار أفضل فيلم وأفضل سيناريو أصلي، وأفضل إخراج و تحرير، وفازت (ميكي ماديسون) بجائزة أفضل ممثلة.

 صحيح أن (أنورا) يفتقر إلى بعض العمق البنيوي مقارنة بأعمال بيكر السابقة كما ذكرنا سابقا إلا أن تواضع المنافسين وتراجع جودة الصناعة السينمائية في هذا العام ساهم بتتويج السينما المستقلة بقيادة “بيكر”.