عمر محمد بركات

في فيلمها الأول إخراجياً Woman of the Hour تكشف لنا الممثلة ” آنا كيندريك ” عن قدراتها المميزة في سرد القصص السينمائية، لتثبت أنها ليست فقط ممثلة ومغنية بارعة فقط، بل أيضًا صانعة أفلام موهوبة لها رؤيتها الخاصة.

تدور أحداث الفيلم في لوس أنجلوس السبعينيات، حيث تتناول “كيندريك” قصة مبنية على سلسلة جرائم حقيقية بأسلوب يمزج بين تفاصيل الحكاية و تسليط الضوء على قضايا النوع الاجتماعي وثقافة العمل الاستعراضي في هوليود. تؤدي “كيندريك” دور “شيريل برادشو”، ممثلة طموحة تحاول تحقيق يائسة الحصول على فرصة للتمثيل و لو عن طريق الظهور في برنامج المواعدة الشهير “لعبة المواعدة The Dating Times ” لكنها لن يخطر ببالها هي وجميع الطاقم و المشاهدين أن شريكها في الموعد”رودني ألكالا”، الرجل المحترم و اللبق الذي يخفي سرًا مروعًا عن الجميع: إنه قاتل متسلسل في ذروة جرائمه. يبدو أن وجود قاتل متسلسل  في برنامج ترفيهي على الهواء قد يكون أقرب لكونه قصة خيالية، لكنه واقعي و يستند على أحداث حقيقية. تستغل “كيندريك” هذا الجانب الصادم لتطرح أسئلة جريئة حول المغزى من الشهرة، وعالم الاستعراض، والضريبة العاليه التي يجب أن تدفعها المرأة: قد تكون حياتها.

تأخذنا الحبكة في البداية إلى حياة “شيريل”، حيث تصضدم أحلامها مع واقع محبط ومستقبل غامض. تلعب كيندريك دور شيريل بقوة وشجاعة، لكنها تضفي جانبًا من الضعف يجسد حالة كل امرأة حاولت التكيف مع المضايقات والتحيز في عالم الاستعراض لتحقيق حلمها. ينتقل الفيلم بين جرائم “ألكالا” المخيفة وأجواء برنامج المواعدة الكوميدية، ليكون مزيجًا بين الخوف و المتعة وبين الإثارة والنقد الاجتماعي. وبشكل ملحوظ نجحت كيندريك في تحقيق هذا التوازن الغير منطقي رغم واقعيته، مُظهرةً التناقض بين بريق هوليوود وظلام نفسية “ألكالا” المشوهة والتي تنتمي بالمناسبة لذات العالم الذي يحتفي بالمظهر على حساب الجوهر.

2 7

كيندرك صانعة أفلام لديها ما تقوله

كمخرجة للفيلم وبطلة له، تتألق كيندريك وتمنح شخصية شيريل روحًا مرحة اعتدناها منها في أدوارها السابقة. تضيف عليها في أجواء البرنامج خوفاً كامناً يتصاعد تدريجياً مع اقتراب “ألكالا” (الذي يجسد شخصيته ببراعة دانييل زوفاتو) من هدفه. شيريل لا تحاول فقط الفوز بمواعدة شاب مميز، بل تواجه تحديات أكبر تتمثل في تلبية متطلبات مديرة أعمالها و مقدم البرنامج، بين انصياعها لقواعد الصناعة المتحيزة ومخاوفها الشخصية، قتقرر التحرر و قيادة الدفة كما يحلو لها، مما يمنح الدور طابعًا عصريًا بلمسة كلاسيكية.

على الصعيد البصري، تستعين “كيندريك” بأجواء السبعينيات بكل تفاصيلها، من الألوان البرتقالية النارية والخضراء الموحلة، مما يخلق توترًا بصريًا يُذكر بأجواء فيلم “زودياك”، في إشارة ذكية إلى أسلوب (ديفيد فينشر). تلتقط كاميرا كيندريك مشاعر التوتر لدى شيريل، خاصة في اللحظات التي ينزاح فيها قناع “ألكالا” للحظة كاشفًا عن بشاعة مخيفة، لكنها لا تنزلق إلى الإثارة الرخيصة. فالرعب هنا يتسلل بهدوء، يتجلى في ابتسامات “ألكالا” المتوترة التي تحيلك تلقائياً كمشاهد إلى جرائمه البشعة وساديته المرضية.

اختيار الممثلين كان مميزاً ، مثل (توني هيل) في دور “إد بيرك” مقدم البرنامج، حيث يضيف جرعة سبيعناتية مثالية ، فهو مقدم يحب أن تكون النساء مبتسمات لا مفكرات. تبرز أيضاً الممثلة (أوتوم بيست) بأدائها المميز لشخصية “آمي”، الفتاة الهاربة التي تنجو بأعجوبة وبذكاء من قبضة “ألكالا” .

3 3

فيلم مميز لكن ليس كاملاً

إذا كان للفيلم نقطة ضعف، فهي في بناء القصة الذي يبدو غير متناسق أحياناً. يتنقل الفيلم بين جرائم “ألكالا” وتجارب “شيريل” الشخصية، وعلى الرغم من أن السرد المزدوج فعّال في أغلب الأوقات، إلا أن هناك لحظات ضعف وتصنع في الحبكة. على سبيل المثال، القصة الفرعية التي تتناول “لورا”، امرأة في الجمهور تتعرف على “ألكالا” من لقاء سابق مؤلم، تبدو غير واقعية بعض الشيء ، مع أنها تضيف توترًا ملحوظًا للفيلم إلا أنها لا تضيف للقصة شيئاً.

قد يلاحظ بعض المشاهدين أن أسلوب الفيلم يمزج بين أنواع فيلمية مختلفة مثل الكوميديا السوداء، الإثارة، والرعب الواقعي، مما يشتت متعة المشاهدة بعض الشيء، ومع أن ” كيندريك” تحافظ على سلاسة هذه الانتقالات في معظم الأوقات، إلا أن هناك لحظات قد يشعر فيها الجمهور بفقدان توازن الفيلم، خاصة أولئك الذين يتوقعون إثارة تقليدية “فينشرية”. ومع ذلك، هذا التحدي يعكس جرأة “كيندريك” كمخرجة؛ فهي لا تخشى المزج بين الخوف والفكاهة، وتدرك أن الرعب الحقيقي غالباً ما يكون كامناً تحت السطح.

نلاحظ أيضاً أن اختيار “كيندريك” في تصوير مشاهد العنف مقتصد بعض الشيء؛ حيث تعتمد على اللقطات القريبة والأصوات بدلاً من تقديم تفاصيل العنف بشكل صريح. هذا الاختيار يحافظ على التركيز على تجارب الضحايا بدلاً من تقديم العنف كمادة مثيرة، مما قد يترك بعض المشاهدين في حاجة إلى كشفٍ أكثر توسعاً في الجوانب المظلمة للقصة.

4 4

خطوة جريئة وواعدة

“امرأة الساعة” عمل متماسك يستحق المشاهدة، يستخدم القصة الحقيقية المرعبة ل”رودني ألكالا” كمنصة لفحص كيفية تطبيع المجتمع للعنف ضد النساء وتسليعهن في صناعة ترفيهية لا تنظر إلى للجسد، تقدم كيندريك أداءً يجمع بين الذكاء والتعاطف، مما يترك صدى مؤثراً وغير مباشر لشخصية “شيريل” فهي ليست فقط تحاول النجاة من “ألكالا”، بل تجد نفسها في عالم يجب على النساء فيه التفكير والحذر والفرار أحياناً.

قد يتركك فيلم “امرأة الساعة” مع مشاعر متضاربة و أسئلة أكثر من الأجوبة، لكنه بلا شك يُنبىء بمولد مخرجة أفلام لديها وجهة نظر، تدعونا إلى التساؤل، والتحدي، ورؤية ما وراء الصورة.